تتعدد التعريفات لمصطلح الثقافة، ولكن بصورة عامة هي الإنتاج الذهني لأناس متميزين يشغلهم الهم العام في المجتمع وتشمل كذلك القيم والعادات والسلوك حسب بيئة وظروف كل مجتمع. والمثقف هو المهموم بذلك لكن المثقف الحقيقي والنوعي هو الذي ينتقد الواقع، ولديه رؤية لتقدم مجتمعه. وللمثقف دور أساسي في نهضة وتطور مجتمعه بيد أن المشكلة في العالم العربي تكمن في خضم المخاض والصراع الذي أصبح من الصعب التمييز بين المثقف الحقيقي ومدعي الثقافة.

كذلك لدينا كم هائل من الإنتاج الذي يسمى ثقافي لا يلعب المثقف الحقيقي دوراً أساسياً في نقده وإيجاد البديل عنه تحت مبررات عديدة خاصة وعامة. ولو ألقينا نظرة ثاقبة على واقع مجتمعاتنا نرى صراعاً ونرى فوضى عارمة من اختلال القيم.

إنه على الرغم من الأوصاف التي كانت تلصق بالمجتمع التقليدي وتخلفه إلا أنه كانت الحدود واضحة بين القيم الجيدة وعكسها كذلك كانت بعض قيم المجتمع سائدة ولا يستطيع أحد التعدي عليها بحكم التقاليد، مثل الأمانة والتسامح والتعاون والتكافل والعمل الإنتاجي إلخ..

أما اليوم وفي ظل ما نسميه بالتطوير والنهضة وانتشار التعليم، فإن مجتمعاتنا تعيش حالة من اختلال القيم، فقد استشرت الواسطة، واستشرى المجتمع الاستهلاكي، واستشرى الغش والتزييف وتفكك الأسرة والمجتمع واستشرت الطائفية والقبلية إلخ..

وتعتبر أزمة الثقافة والمثقف جزءاً من أزمة المجتمع والعكس صحيحاً، ويمكن القول ان ما يسمى بالمثقف يعيش الحالة السلبية نفسها من اختلال القيم، وبقى لدينا بعض المثقفين النوعيين فيهم من أصابه الإحباط وانعزل فعلياً عن مشكلات مجتمعه، وأصبح متفرجاً على ما يجري، ومنهم من ظل يكافح ويحاول المشاركة في عملية التنوير، لكن التنوير يضيع في خضم هجمة لقوى التخلف لم تشهد مثلها الأمة في تاريخها الحديث نعيشها في تاريخنا المعاصر.

لكن ذلك لا يشفع للمثقف النوعي الذي لا يجب أن ينتظر نتائج مساهماته الثقافية والتي لا تظهر في حياته وإنما في المستقبل، وقد يمتد ذلك لجيل أو جيلين قادمين.

وقد اختلط مفهوم ودور الثقافة لدى بعض (المثقفين) وبخاصة فيما يتعلق بالعلاقة بين المثقف والسلطة. إن التاريخ يشهد على أن تجسير الفجوة بين السلطة والمثقف لا يتم في مجتمع متخلف وسلطته جزء من ذلك التخلف، وثانياً فإن العلاقة بين الطرفين لن تحدث إلا إذا بادرت السلطة في فتح المجال أمام إبداع المثقف ودوره في المجتمع، ولا يمكن أن يحدث ذلك إلا في ظل مجتمع ديمقراطي. لقد حدث ذلك في اليابان فتطورت، ولم يحدث في العالم العربي فبقينا متخلفين، وقد حدث ويحدث ذلك في نفس الفترة الزمنية.

ولم يدرك الكثيرون في دولنا مع الأسف حتى عدد من المثقفين بأن الثقافة الحقيقية شعبية وليست رسمية، فقد كانت الثقافة فاعلة في تطور مجتمعاتنا عندما كانت المؤسسات الثقافية التي هي جزء من المجتمع المدني أهلية، وعندما دخلت السلطة في مجال الثقافة تراجع دورها، وتدهورت أوضاع مجتمعاتنا على الرغم من التطور المادي الذي نشهده في تاريخنا المعاصر.

ما الذي يجري؟ وما هي الثقافة التي تقدم؟ إنها إعادة إنتاج عبث الثقافة، وأنه وبكل اقتدار تلوث ثقافي يدمر عقول شبابنا حتى الثقافة الدينية قد تم تسطيحها وتشويهها بالطائفية والفتاوى التي لا تتولاها مؤسسات شرعية بل أفراد ليس لديهم الخلفية الثقافية الدينية وقليلو التجربة. وقد يسأل من يقرأ هذا الكلام عن أمثلة على ما ذهبنا إليه نحن نخاطب عقولاً تعي ما يحدث، وعندما يلتفت الإنسان العادي إلى الأوضاع الفنية والصحفية والشعر وما يقدم من برامج تلفزيونية، وتردي الخطاب لدى الكثيرين، وضعف اللغة العربية لدى المتعلمين وغير ذلك.

فهل نحن بحاجة إلى ذكر المزيد عن المستوى الهابط لذلك كله؟ وهل يمكننا الحديث عن ثقافة جادة ناجعة تلعب دوراً في التنمية والتطور في ظل هكذا أوضاع؟ إن غياب الثقافة الحقيقية بفعل أزمة الواقع وأزمة المثقف قد فسحت المجال لهذا الفراغ فحدث التلوث الثقافي كنتيجة طبيعية لذلك. لماذا يتحدث العرب عن أن فترة الستينات من القرن العشرين كانت متميزة ثقافياً وسياسياً، وكذلك الأمر بالنسبة للفن والتعليم والمسرح، ولماذا يتحدثون عن عكس ذلك في وقتنا الحاضر؟.

ونترك الإجابة على هذه التساؤلات للقارئ الذي يتمتع بالوعي الثقافي ولننتقل إلى موضوعنا الأخير في هذه الإشكالية وهو ما العمل؟

للإجابة عن هذا السؤال أمامنا تحديات كبيرة وليست سهلة:

أولاً: علينا أن ندرك بأن تقدم المجتمعات يبدأ بجهد نخبة وطليعة مفكرة ومثقفة تعتمد نقد الواقع من أجل المستقبل، ونقد الواقع يعني نقد الحاضر والماضي لأن الواقع يحمل الكثير من إرث الماضي.

ثانياً: أن تتحرك النخبة المثقفة ثقافة حقيقية لتشكل وتكوّن تياراً تنويرياً لا ينتظر رواده نتائج عملهم الثقافي.

ثالثاً: الإدراك بأن الثقافة ليست حكراً على طرف أو مجال دون آخر، فليس الأدباء على سبيل المثال وحدهم المثقفون، وبناء على ذلك فالمسؤولية كبيرة وشاملة.

رابعاً: ضرورة الاقتناع بأن الثقافة تنمو في مناخ ديمقراطي، وإن لم يكن موجوداً، وأساسه الحرية، فمسؤولية المثقفين الحقيقيين العمل الدؤوب لإيجاده، وقد يتطلب ذلك تضحيات فلم يحقق مجتمع تقدماً حقيقياً بدونها.

خامساً: إن السلطات في أي زمان ومكان تعمل على تدجين المثقف أو محاربة الثقافة الجادة والحقيقية إلا ما ندر. ولذلك ينبغي على المثقف أن يدرك ذلك، لكن هناك من يسقط وهذا أمر طبيعي في ظل ظروف وأوضاع أقطارنا العربية.

سادساً: مهما كان الواقع متردياً ومتخلفاً لا يخلو من المثقفين الحقيقيين نوعياً، وهؤلاء يشكلون التحول والتقدم المطلوب لمجتمعاتنا بمحاربة التلوث الثقافي الذي استشرى في هذه المجتمعات وبخاصة وسط المتعلمين.

وفي الختام نؤكد على إن التلوث الثقافي لا ينتهي بنفسه بل بفعل فاعل بأن نملك أولاً الثقافة النوعية وأن تكون لدينا رؤية واضحة لتطوير مجتمعاتنا، وألا نسكت على الانهيار والتخلف والتردي في أوضاع بلداننا، وذلك بالتوعية والنقد والتفكير بالبدائل وبتجديد الفكر. أوقفوا الانهيار الثقافي ببناء ثقافة بديلة جادة مفيدة ونوعية، ولا تتركوا العبث الثقافي يستشري بين شبابنا في مدارسهم وفي مؤسساتنا. إن الثقافة مجموع ثقافات تتكون من الثقافة السياسية والأدبية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، وإن التلوث في عصرنا أنواع كثيرة أخطرها التلوث الثقافي.

كاتب كويتي

dr.tamimimalek@yahoo.com