مما لا ريب فيه أن أولئك الذين يحاولون إعادة عقارب الزمن إلى الوراء عن طريق القوة ، ورفع السلاح في وجه سلطة القانون ، وإعلان التمرد والعصيان والخروج على الشرعية الدستورية ، ظنا منهم أن ذلك سيمكنهم من إعادة إنتاج عهود الكهنوت والإمامة البائدة ، لا يختلفون في حقيقة الأمر عن أولئك المغامرين والمأزومين الذين يسعون إلى الالتفاف على نهج الديقراطية والتعددية السياسية والحزبية والتداول السلمي للسلطة ، والانقلاب على الإرادة الشعبية التي عبر عنها اليمنيون في صناديق الاقتراع بهدف إعادة الأوضاع إلى مربع الشرعية الثورية ، والقفز إلى الحكم من بوابة الأزمات التي يثيرونها والزوابع التي يطلقونها والبلبلات التي يقومون بالترويج لها.
فما يجمع الفريقين حتى وإن اختلفت وسائلهما ومنهجيتهما إنهما بلا ذاكرة وإن طموحاتهما تقوم على غاية واحدة تبدأ بالتحلل والتمرد على المرجعيات الدستورية والقانونية والديمقراطية ، وتنتهي بإشاعة الفوضى ، وبما يسمح لهم بفرض أجندتهم والوصاية على هذا الشعب.
ويتضح هذا المنحى في ما تبديه عناصر التمرد والتخريب في بعض مديريات محافظة صعدة من إصرار على المضي في أعمالها الإجرامية ، وممارسة أعمال القتل والتدمير واستباحة الدماء البريئة المعصومة في كل الشرائع والأديان ، ورفضها الجنوح للسلم والعودة إلى جادة الصواب ومغادرة النفق المظلم الذي أوقعت نفسها فيه.
ويتكرر هذا المشهد بطابعه الأناني والانتهازي في ما تعبر عنه بعض القوى السياسية والحزبية من مواقف تكتيكية ، تغلب عليها الرؤى الضيقة والديماغوجية الفاضحة ، والتناقضات الصارخة ، إلى درجة يصعب فيها على أي متابع إدراك حقيقة إلى ماذا تسعى هذه القوى السياسية والحزبية ، وماذا تريد من وراء إصرارها دائما على افتعال الأزمات وممارستها لعبة خلط الأوراق والسير عكس التيار .
وهو ما يمكن استشرافه في المحاولات الدؤوبة لهذه القوى لإفراغ الديمقراطية من مضمونها والسعي إلى إخضاعها لما يشبع رغباتها وأهواءها ومطامعها ، فالديمقراطية بالنسبة لها (شورْ وقولْ) فإن لم تأت لصالحها فهي ديمقراطية ناقصة ومنقوصة هي في غنى عنها ، وتحت وطأة ذلك التفصيل العجيب والغريب فإن تلك القوى لا تشعر بأي حرج وهي تدير ظهرها للديمقراطية ، واستبدال ذلك بالمطالبة بالتقاسم والشراكة في السلطة بما ينم عنه هذا المطلب من تطاول على إرادة الشعب الذي اختار الديمقراطية نهجا لا رجعة فيه.
ويبلغ هذا النزوع العبثي مداه في اختزال تلك القوى السياسية والحزبية صلتها بالوطن والديمقراطية بمقدار ما تجنيه من منافع ومصالح ذاتية وشخصية وحزبية ، وتضليل الناس نجدهم يتحدثون عن قضايا الوطن والمواطنين في الوقت الذي يكرسون جهودهم لإعاقة مشاريع التنمية والحيلولة دون جذب الاستثمارات التي من شأنها الارتقاء بالاقتصاد الوطني وإيجاد فرص عمل للأيادي العاطلة وتحسين الأوضاع المعيشية للناس.
والمؤسف حقا أن البعض من هؤلاء لم يعد يميز بين العام والخاص وبين القضايا الشخصية وقضايا الوطن.
ولذلك نجد مثل هؤلاء يلعبون على كل الحبال . فمنهم من يميل إلى المراوغة وتقمص دور الثعلب، فيما يفضل البعض الآخر ارتداء جلباب الصلاح كذبا وزيفا وهو في حقيقة الأمر عكس ذلك تماما، ناهيك عن الصنف الثالث وهم الرماديون الذين يمسكون العصا من المنتصف دون إدراك من هؤلاء جميعا أن ما يزرعونه من الأشواك لا يمكن أن ينتج ثمارا طيبة ، فمن يزرع الأشواك يحصد الحنظل ، لأن الشجرة الخبيثة لا تنتج إلا ّما هو أخبث.
فمتى يدرك هؤلاء وأمثالهم أن الإنسان السوي هو من يعرف من أين يبدأ وكيف يسير وأين يجب أن ينتهي به المسار ، وأن الإنسان الفاشل هو من يكرر الأخطاء ولا يتعظ من تجارب غيره ، بل ومتى يعي هؤلاء أن من يكون مع الوطن يكون الوطن معه ، وأن من يقف ضد الوطن فإنه لن يفلح ولن تقوم له قائمة ولن يغدو ذا شأن أو ذا حظوة مهما أمعن في الخداع والمكر.
إلى متى سيظل هؤلاء يهدرون جهودهم وطاقاتهم وأعمارهم في البحث عن مشاجب ، يعلقون عليها فشلهم وإخفاقاتهم وانتكاساتهم المتكررة .. مع أن بإمكانهم أن ينهلوا من معين الديمقراطية ويؤسسوا لأنفسهم موقعا بين الجماهير ، يسهمون من خلاله في الارتقاء بوطنهم ومجتمعهم ، وهو الأجدى لهم بدلا من الانشغال في هرطقات ممجوجة تجاوزها منطق التاريخ ومجرى الزمن.
