يبدو أن مقاربة الرئيس الأميركي القائمة على «وقف الاستيطان أولاً» قد توقفت دون الاعتراف بذلك رسمياً من قبل واشنطن. فاجتماع المبعوث الأميركي جورج ميتشل مع رئيس وزراء إسرائيل لم يؤد إلى نتيجة.
وأبلغت واشنطن هذا الأمر إلى القيادة الفلسطينية مؤكدة على إبقاء الباب مفتوحاً للتوصل إلى صيغة مرنة أو في حقيقة الأمر صيغة مبهمة بعد التراجعات التي قدمتها واشنطن والتي أفرغت هذه المقاربة من مضمونها. وللتذكير فإن أهم تراجع كان مقايضة عدم التجميد في القدس مقابل تجميد التوسيع الاستيطاني وكذلك القبول باستثناءات فيما سمي بالنمو الطبيعي أو العمودي والقبول بمبدأ الفترة الزمنية المحددة ليبقى الاستيطان سيفاً مسلطاً على رأس الفلسطينيين.
وفي حقيقة الأمر فقد تحولت مقاربة وقف الاستيطان أولاً إلى مقاربة تقوم على الوقف الانتقائي والمحدود في الزمن والمربوط بشروط إسرائيلية مزدوجة تطبيعية مع العرب وتصعيدية ضد إيران.
مقاربة كانت عنوان سياسة الإدارة الأميركية الجديدة ومدخلها لإعادة المفاوضات إلى سكة التسوية. ووقف الاستيطان الكلي والفوري كما كان مطروحاً أساساً كان شرطاً ضرورياً لأسباب ثلاثة أولها أن استمرار الاستيطان تحت مسميات مختلفة يلغي إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة ويسقط بالتالي تسوية الدولتين اللتين تعيشان جنباً إلى جنب، وثانياً انه امتحان لمصداقية إسرائيل برغبتها الجادة في التوصل للسلام باعتبار أن السياسة الاستيطانية نقيض للسلام وللتذكير فان ما طرحه الرئيس الأميركي لحظته أيضاً خريطة الطريق ولو تم نسيان أو تناسي هذا البند الوارد في الخريطة.
وثالثاً انه امتحان لمصداقية واشنطن وقدرتها أو رغبتها على مواجهة إسرائيل ودفعها للتفاوض. وللتذكير أيضاً فان مقاربة وقف الاستيطان أولاً جاءت في سياق فكرة التبادلية الاختبارية، حيث يقوم كل طرف من أطراف النزاع بتقديم تنازلات أو باتخاذ خطوات وإجراءات تطمينية وتشجيعية تجاه الطرف الآخر مع التذكير في هذا المجال انه كان على إسرائيل أن تعطي من «جيب» الفلسطينيين مقابل انتزاع تنازلات تطبيعية عربية مازالت محط معارضة بشكل عام من العرب وخاصة فيما يتعلق بخطوات تطبيعية جديدة أو من دول لم تطبع من قبل ولو بالحد الأدنى مع إسرائيل.
أسباب التراجع الأميركي عن «وقف الاستيطان» والمقصود بالطبع الوقف الكلي خمسة، أولاً ضعف الإدارة الأميركية داخلياً وازدياد حدة قوة المعارضة لها حول السياسة الصحية مما يربكها، ثانياً عدم القدرة على مواجهة حكومة نتانياهو التي تحظى بشبه إجماع واسع فيما يتعلق بوقف الاستيطان وخاصة عندما يتضمن هذا الأمر الاستيطان في القدس، ثالثاً عدم قدرة الحكومة الإسرائيلية بسبب تركيبتها الداخلية الدقيقة والمليئة بالتناقضات لأسباب تتعدى المسألة الفلسطينية، عدم قدرتها على القيام بأي خطوة دون التعرض إلى الانفجار من الداخل والسقوط .
وهي ورقة الضعف التي يهدد بها نتانياهو الإدارة الأميركية باعتبار أن الظروف غير مهيأة بعد لحكومة سلام من المنظور الأميركي، رابعاً تفهم واشنطن للشروط الإسرائيلية المطلوبة من العرب في المجالين العربي والإيراني ولو أن هنالك بعض الاختلاف الأميركي الإسرائيلي حول سقف هذه الشروط لكنها تبقى مقبولة أميركياً في حين تدرك واشنطن ان العرب لن يدفعوا هذا الثمن المطلوب إلا في نهاية المسار التفاوضي وليس في بدايته خاصة انه لا توجد ضمانات للوصول إلى خط النهاية في هذا المجال.
خامساً الاقتناع الأميركي بأن مقاربة وقف الاستيطان أولاً ستكون منهكة وأنه يمكن إيجاد صيغة أخرى أكثر مرونة للالتفاف حول هذه الصيغة التي هي صيغة مواجهة مع إسرائيل.
الصيغة التي تعمل عليها واشنطن الآن والتي من غير المستبعد أن يعلن عنها خلال إلقاء الرئيس الأميركي كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة في الأسبوع الأخير من هذا الشهر وذلك في إطار الإعلان عن جملة من المبادئ والأفكار دون الدخول في التفاصيل التي يفترض أن تشكل التصور الأميركي لعملية السلام هي ما يمكن وصفه بالمقاربة الالتفافية على مقاربة وقف الاستيطان أولاً وقوام المقاربة الجديدة البدء بالتفاوض حول ترسيم الحدود النهائية بين الفلسطينيين والإسرائيليين وتناول موضوع وقف الاستيطان في هذا الإطار «بالمفرق» وكنتيجة لرسم الحدود والذهاب ضمن إطار زمني قد يكون في حدود السنة والنصف إلى السنتين للتفاوض حول الدولة الفلسطينية.
وتبرز في هذا الإطار بعض الأفكار غير البعيدة عن الإدارة الأميركية وقد ذكرها زبغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي في إدارة كارتر وأحد المقربين من الإدارة الحالية وقد بلور بريجنسكي هذه الأفكار بانياً على «تفاهم جنيف» غير الرسمي الفلسطيني الإسرائيلي ونافضاً الغبار عنه .
وكذلك على أفكار بعض الشخصيات الغربية المهتمة بتسوية النزاع العربي الإسرائيلي كما يلي: إسقاط حق العودة وتوفير التعويضات اللازمة للفلسطينيين وترك موضوع التوطين للدول والأطراف المعنية، ثانياً تقسيم القدس، ثالثاً اعتبار خط 1967 هو الخط الأساسي للتفاوض مع إجراء تعديلات متساوية حول الحدود، رابعاً قيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح. وقد يتم الإعلان عن الدولة في هذا الإطار قبل تحقيق وحدتها الجغرافية وحتى قبل الاتفاق كلياً على مسألة القدس. ومن الأفكار المتداولة في هذا الخصوص أن يشكل اجتماع موسكو المطروح عقده في الخريف القادم إطاراً لإعطاء دفع لعملية المفاوضات الشاملة على المسارات الثلاثة من حيث المبدأ ولو بسرعات مختلفة.
حقيقة الأمر تبدو هذه الأفكار وكأنها محاولة لإبقاء الباب مفتوحاً بغية عدم الاعتراف بالفشل وشراء بعض الوقت وإحداث بعض التقدم الطفيف من خلال إعادة تحريك المفاوضات تحت عناوين كبرى مازالت خلافية لأنها ناقصة أو مبتورة ولأن بعض ملفاتها الأساسية مؤجل ولكن مرة أخرى في ظل اشتداد الانقسام الفلسطيني حدة والغياب المستمر لسياسة عربية عملية وفاعلة وذات مصداقية في هذا الخصوص أيضاً، فان ما يمكن انتظاره كأفضل حال في نهاية هذا الشهر بداية تحريك لملف إقليمي دولي طال تجميده دون أن يعني أن قطار التسوية قد وضع على السكة من جديد.
كاتب لبناني
