بعد قيام الثورة الإسلامية في عام 1979 ونجاح الإسلاميين في فرض سيطرتهم على النظام السياسي في إيران استطاع علي خامنئي ـ المرشد الأعلى الحالي للثورة الإيرانية - أن يقنع الزعيم الإيراني المؤسس للجمهورية الإسلامية الإيرانية والمرشد الأعلى للثورة وقائدها أية الله الخميني بتبني فكرة وممارسة الثورة الثقافية في إيران.
كانت الثورة الثقافية قائمة على ضرورة تعديل الخط العام الذي يسير عليه التعليم العالي في الجامعات والكليات الإيرانية من خطه المنفتح على الغرب إلى خط التوجه نحو غلق باب الاعتماد على العلوم الغربية والتركيز على بلورة نظام تعليمي قائم على الخط الشيعي الإسلامي ومعتمد على الشريعة وجعل التعليم العالي يكون 100% إسلامي التوجه.
لقيت تلك الفكرة استحسان المرشد الأعلى للثورة وقائدها وتم تأسيس مجلس خاص بالثورة الثقافية برئاسة علي خامنئي وعضوية مجموعة من القيادات الشيعية التي كان من ضمنها الرئيس الإيراني الحالي محمود أحمدي نجاد. فقد كان خامنئي ونجاد من مؤسسي الثورة الثقافية الأولى في إيران التي استمرت منذ ما بعد الثورة الإسلامية وحتى عام 1987.
وكانت تلك الثورة الثقافية بداية التحالف الخامنئي النجادي الذي استمر إلى يومنا هذا. كانت تلك الفترة فترة حرجة بالنسبة للتوجه الإيراني حيث تم إغلاق العديد من الجامعات والكليات الإيرانية، وقُتل عدد كبير من الطلبة، وسُجن الكثير منهم ومن الأساتذة الجامعيين باسم المحافظة على ثوابت الثورة الإسلامية من التوجهات المعارضة لها.
كانت الثورة الثقافية تلك ضرورية بالنسبة للنظام السياسي الجديد في إيران، حيث كانت الجامعات في تلك الفترة تنحى منحى مغايراً لما كان يريده مرشد الثورة وقائدها الأعلى الخميني؛ فلقد كانت معظم الجامعات وطلابها تخالف توجه الخميني نحو إقامة دولة دينية في إيران، لذلك فإن القضاء على مثل ذلك الفكر المعارض لتوجه القيادة العليا للثورة في الجامعات الإيرانية كان هدفاً هاماً بالنسبة لقيادة الثورة الإسلامية حتى تتمكن من فرض سيطرة فكرها على المجتمع الإيراني.
وهذا هو حال جميع الدول القائمة على أسس فكرية، فدولة الفكر بحاجة إلى ثورات ثقافية لتعزز فكرها في مواجهة الفكر الآخر المناقض لفكرها؛ تماماً كما حدث مع أشهر ثورة ثقافية في الوقت المعاصر والمتمثلة في الثورة الثقافية الصينية التي اندلعت في عام 1966 واستمرت حتى عام 1976 والتي خلفت ملايين من القتلى داخل الصين وأعادت البلاد عدة سنوات إلى الوراء.
كان الشعار المرفوع في الثورة الثقافية الصينية هو أن على الدولة بجميع فئاتها أن تؤمن بفكر ماو تسي تونغ دون غيره من الأفكار وأن تبتعد عن الفكر الغربي الليبرالي الداعي إلى الرأسمالية. وهذا ما عملت على تحقيقه الدولة بالفعل حيث تم في الفترة ما بين 1966 و1969 وضع برنامج لإعادة تأهيل كل العاملين في الدولة وتم استدعاء سفراء الصين في الخارج لتتم عملية إعادة تأهيلهم ليكونوا أكثر إيماناً بفكر ماو تسي تونغ، فالصين ذاتها دولة فكر حيث قامت على فكر ماو تسي تونغ المؤسس للجمهورية الصينية الشعبية.
إيران وباعتبارها دولة فكر انتهجت ذات النهج نحو فرض ثورة ثقافية على المجتمع الإيراني لتحقيق سيطرة وهيمنة الفكر المؤسس للجمهورية الإسلامية الإيرانية، الأمر الذي أدى إلى عزل إيران عن العالم الخارجي تماماً كما عزلت الصين نفسها عن العالم في فترة ثورتها الثقافية.
وكما سمحت الصين بإنشاء ما يسمى بالحرس الأحمر وهم عبارة عن شباب صيني مؤمن بأفكار الزعيم ماو تسي تونغ قرر التطوع للدفاع عن هذا الفكر في مواجهة الفكر المضاد، فإن إيران أيضاً سمحت بإنشاء قوات الباسيج المتطوعة من الشباب المؤمن بأفكار الثورة والساعي للقضاء على بروز كل فكر يخالف فكر الدولة الأمر الذي جعل تلك الجماعة يكون لها سيطرة في البلاد إلى يومنا هذا مع وجود بالطبع الحرس الثوري الحامي للثورة.
ولعل ما تعيشه إيران اليوم لاسيما من جراء تداعيات نتيجة الانتخابات الرئاسية الأخيرة في إيران إنما هو ثورة ثقافية ثانية يسعى من خلالها النظام الديني الحاكم في إيران إلى فرض سيطرة فكره على المجتمع من خلال القضاء على الأفكار الذي يراها مناوئة لفكره من داخل المجتمع الإيراني وحتى من داخل النظام السياسي.
فالمواجهات العنيفة التي قادها الباسيج وأفراد الشرطة الإيرانية ضد المتظاهرين المعارضين لفوز أحمدي نجاد، والهجمة القوية التي تمارسها القيادات المحافظة ضد قيادات التيار الإصلاحي.
وإغلاق مكاتب القيادات الإصلاحية، وعمليات القتل والاعتقال والمحاكمات، وتغير عدد كبير من السفراء الموالين للفكر الإصلاحي، وإنهاء خدمات عدد كبير من الموظفين والقيادات الإيرانية الموالية للإصلاحيين ليس إلا دليل واضح على أن إيران تعيش اليوم ثورة ثقافية جديدة تحاول من خلالها القيادة السياسية الحاكمة فرض سيطرتها من خلال فرض فكرها على المجتمع الإيراني بكل شرائحه ومواجهة كل من تسول له نفسه الابتعاد عن دولة الفكر الديني التي تقوم عليها إيران منذ تأسيسها على يد مرشدها وقائدها الأعلى الخميني.
فليس من المستبعد أن نرى إيران تنغلق على نفسها بشكل أكبر عما كانت عليه في السابق في سبيل تصحيح أوضاعها الداخلية، فالداخل بحاجة إلى تركيز أكبر من قبل القيادة الإيرانية المحافظة حتى تتمكن من فرض أجندتها عليه بالكامل، وهذا قد يتطلب عدة سنوات لاسيما وأن الثورة الثقافية الأولى لا يبدو أنها قد نجحت في تحقيق هدفها القائم في القضاء على التيارات المناوئة للتيار المحافظ الساعي لفرض أجندته بكل الوسائل على جميع شرائح المجتمع الإيراني.
فثورة ثقافية ثانية تعمل على تصحيح الأوضاع هو على ما يبدو الأمر الذي تسعى من خلاله القيادة العليا في إيران فرضه على الواقع الإيراني خاصة إذا ما علمنا بأن نصف الشعب الإيراني هم من الشباب الذي يعتبر أكثر تحمساً للتغيير والإصلاح؛ وبالتالي فإن ما نشهده اليوم في إيران من ممارسات متشددة ضد الإصلاحيين يمكن اعتباره على أنه يأتي في سياق البدء بثورة ثقافية ثانية في إيران يقودها حلفاء وقيادات الثورة الثقافية الأولى.
جامعة الإمارات