هناك مثل شامي يقول «من يجرب المجرب عقله مخرب»، ولبنان منذ استقلاله بكل أطيافه، بصيغته الدستورية التى تعتمد العيش المشترك وبديمقراطيته التوافقية التي تنتهج المشاركة السياسية، جرب الكثير من التجارب السياسية، ومر بالكثير من الأزمات الحكومية، وثبت له في النهاية أنه بحكم تنوعه وتعدديته وديمقراطيته، لا يمكن أن تنفرد بحكمه أكثرية طائفية أو مذهبية أو سياسية وحدها، كما لا يمكن أن تتحكم فيه أقلية طائفية أو مذهبية أو سياسية وحدها..
ولا يمكن لتيار سياسي أو مذهبي في لبنان أن يلغي التيار الآخر أو يهمش دوره في المشاركة في تقرير شؤون الوطن، ولهذا فالقول بأن «لبنان محكوم بالتوحد على قاعدة التعدد» و«بالائتلاف على أساس الاختلاف» و«بالتوافق بديلا عن التراشق»، ولا مظلة لكل مكوناته لتحقيق أمنياته سوى الوحدة الوطنية، ولا وسيلة للخروج من أزماته سوى التفاهم لا التصادم، والحوار لا الشجار، والاستقرار لا الاستفزاز، هي حصيلة ما مر على لبنان من تجارب.
يثبت هذا في حكومتين برئاسة واحدة للرئيس السنيورة قبل الدوحة وبعدها، في الحكومة الأولى استأثرت الأكثرية بالقرار فصنعت الأزمات على كل الأصعدة ما جمد عمل الحكومة وحاصرها في السراي ووضع لبنان على شفير المواجهة الأهلية الساخنة، فكانت «الدوحة» هي المدخل إلى إعادة لبنان إلى طريق الوحدة الوطنية، مثلما كانت «الطائف» هي المخرج بعد تجربة الحرب الأهلية المريرة لإعادة بناء لبنان بما يرسي دعائم الوحدة الوطنية والاستقرار!
والحكومة الثانية اعتمدت صيغة الوحدة الوطنية، فأنهت حدة الأزمات والاعتصامات السياسية، ووفرت الأجواء لعودة الحياة البرلمانية والاقتصادية، وفتحت الطريق لاختيار الرئيس ميشيل سليمان رئيسا للجمهورية توافقيا ليكون حكما بين الأطراف السياسية وليرعى مائدة الحوار الوطني لحل كل الأزمات على أساس التفاهم والمشاركة، باعتباره رئيسا لكل اللبنانيين، وللاتفاق على قانون الانتخابات النيابية لتمثيل كل الأطياف، وحظي لبنان في ظلها بالاستقرار وتطلع إلى عودة الإزدهار.
وبحصول إئتلاف 14 آذار على 71 مقعداً وتيار 8 آذار على 57 مقعداً كلف الرئيس سليمان زعيم الأكثرية سعد الحريري بتأليف الحكومة، ولأن كل تجارب لبنان كانت حاضرة، توافق الأطراف على عدم إعادة تجريب المجرب بانفراد الأكثرية، واتفقوا على تشكيل حكومة وحدة وطنية على أساس 15 +10+5، وأن يختار كل تكتل برلماني أسماء وزرائه بما يمثل كل الأطياف، وبعد 70 يوما من التكليف، لم ينجح الحريري في تحقيق توافق على التأليف..
والسبب هو رفض الحريري توزير «جبران باسيلي» الذي رشحته كتلة الجنرال عون البرلمانية وزيرا للاتصالات، تذرعا بحجة لا هي دستورية ولا تم التوافق عليها، وهي عدم توزير الراسبين في الانتخابات بينما وزير بارز من كتلته هو «نسيب لحود» راسب في الانتخابات ولم تعترض عليه المعارضة، وعندما وجد الحريري نفسه في «الكورنر»، بادر بتقديم التشكيل المفروض المرفوض إلى رئيس الجمهورية، محاولا تسجيل هدف مخالف في مرمي الجنرال، أو بالتخلص من الكرة بإلقائها باتجاه الحكم، لكن الحكم رفض احتساب الهدف باعتباره «أوف سايد»!
فهل من عودة للمشاورة والمحاورة والمداورة، بأن تختار كل كتلة مرشحيها ليطلق الحكم صفارة استكمال المباراة ويتحقق الهدف بطريقة صحيحة، أم سيعتذر الحريري ويخرج من المباراة ويطلق الحكم صفارة النهاية قبل اكتمالها ليشتبك الجمهور؟!