الحمد لله على كل حال، فها نحن أخيراً نتحرك وتشهد الجامعة العربية لقاء وزيري الخارجية السوري العراقي برعاية أمين الجامعة العربية وبمشاركة أساسية من وزير الخارجية التركي بحثاً عن حلٍ يوقف التدهور في علاقات البلدين. صحيح أن الاجتماع جاء متأخراً وبعد فترة اكتفى العرب فيها بالفرجة علي التحركات الإيرانية والتركية، وصحيح أن اللقاء جاء على «هامش» اجتماع وزراء الخارجية العرب المقرر سلفاً، ولكن هذا بالقطع أفضل من الغياب الذي طال..

وهو غياب لم يأت من باب التعفف أو الرغبة في الابتعاد عن المشاكل، ولكنه غياب يفرضه الواقع الأليم الذي يدرك فيه العرب أنهم ـ للأسف الشديد ـ لا يملكون ما يملكه غيرهم من أوراق اللعبة التي تمنعهم القدرة على أن يكونوا فاعلين حين يتدخلوا..

لا يملك العرب الآن ما تملكه تركيا من علاقات مؤثرة على الطرفين بدءاً من ورقه التواجد على الأرض في شمال العراق إلى ورقة التوسط في المباحثات غير المباشرة بين دمشق وتل أبيب إلى ورقة العلاقات الاقتصادية والسياسية التي تتراوح بين التعاون في مشروعات كبيرة والاحتفاظ باليد العليا في إمدادات المياه للقطرين العربيين.

ولا يملك العرب ـ في هذه اللحظة ـ ما تملكه إيران من نفوذ هو الأقوى على ارض العراق بعد أن قدمت لها أميركا خدمة العمر بتدمير العراق في حرب غير مبررة وغير مشروعة، وما تملكه من تحالف مع دمشق استمر على مدى ثلاثين عاماً وصمد ـ حتى الآن ـ لكل الأحداث الجسام التي مرت بالمنطقة وبالدولتين الحليفتين.

على العكس من ذلك، كان هناك قرار بإبعاد العرب عما يجري في العراق من جانب الولايات المتحدة الأميركية وهي تبدأ في غزو العراق وتدميره. وكان هناك توافق مع القوى الإقليمية التي ورثت النفوذ على الساحة العراقية على نفي عروبة العراق كخطوة على طريق نفي العروبة ذاتها في كل المنطقة، وكوسيلة تحفظ مصالح هذه القوى في العراق المنكوب بعد أن تكمل الجيوش الأميركية مهمتها وترحل.

ولو كان العالم العربي في لحظة يمتلك فيها الوعي والقوة، لإدركنا ان ما يفعله «الآخرون» أمر طبيعي فهم يدافعون عن مصالحهم، والدول ليست جمعيات خيرية تتبرع للآخرين بما تستطيع تحقيقه لنفسها، بل تقاتل من اجل تعظيم مكاسبها في كل الميادين، ولا تفعل مثلنا فتكتفي بالفرجة وننتظر الفرج وتفتقد الإرادة والاستراتيجية التي تجمع صفوفها وراء أهداف محددة تحشد لها إمكانياتها.

وهكذا غابت الاستراتيجية العربية في التعامل مع العراق كما في غيره من قضايا الأمة الأساسية. وهكذا تركنا الانقسام الطائفي يعصف بالقطر الشقيق بتخطيط أميركي وبتشجيع كل القوى الإقليمية المعادية للعروبة، وأنساق بعضنا وراء المؤامرة دون أن يدرك أبعادها وآثارها على كل المنطقة. وحتى بعد أن عبر العراقيون بحور الدماء ليكتشفوا أنه لا حل إلا بالعودة إلى الحل الذي يتجاوز الطائفية ويجمع الشيعة والسنة العرب في توافق قومي لا ينفصل عن عالمه العربي..

مازالت الاستراتيجية العربية غائبة، ومازالت المؤامرات من داخل العراق ومن جيرانه المستفيدين من المناخ الطائفي ومن القوى المعادية للعروبة تعمل على نسف أي خطوة على طريق الإنقاذ.

وفي ظل غياب الاستراتيجية العربية كانت هناك مواقف منفردة ومحاولات من هنا وهناك. ذهب البعض منا إلى بغداد عن طريق طهران، وذهب البعض عن طريق واشنطون، وحاول البعض أن يشق طريقاً بعيداً عن هذا المحور أو ذاك.

وكانت النتائج خطفاً أو قتلا لدبلوماسيين عرب، وأزمات مع أطراف عربية مختلفة الاتجاهات كان آخرها هذه الأزمة مع سوريا التي ظنت أن علاقتها التاريخية بإطراف عديدة أساسية في العراق من بينهم رئيس الحكومة المالكي نفسه، وتحالفها الطويل مع طهران، ومليون عراقي لاجئ على أراضيها سيفتح الباب لتثبيت علاقات مميزة جسدتها الاتفاقية الاستراتيجية التي وقعتها مع حكومة العراق، فإذا بها لا تصمد أياماً أمام الصراعات الداخلية والمصالح الإقليمية.

ومنذ البداية، ورغم التصعيد المبالغ فيه من جانب حكومة المالكي ضد دمشق، فإن البوادر كلها كانت تشير إلى أن الأزمة لن تتجاوز حدوداً معينة.. هكذا كان قرار اللاعبين الأساسيين الدوليين والإقليميين، فالمهم أن تصل الرسالة إلى أصحابها، وهي أن الدور العربي قد يكون مطلوباً في المساعدة على إنهاء الانسحاب الأميركي (أو إن شئت الدقة إعادة الانتشار) .

ولكن ليس لشئ أكثر من ذلك، فاللاعبون الاساسيون في مستقبل العراق لا ينبغي أن يكون العرب بينهم. وما كسبته أطراف كإيران أو تركيا من الوجود العسكري الأميركي الذي سيستمر لسنوات طويلة لن يتم التخلي عنه بل سيتم تعزيزه على ارض الواقع ومن هنا قد تنجح الجهود لمحاصرة الأزمة الحالية بين دمشق وبغداد ولكن ستبقي الخطوط الحمراء أمام الحضور العربي الفاعل في العراق.

ولن يكون الحل ـ كما قلنا سابقاً ـ بإعادة إنتاج حلف بغداد، أو حلف أنقرة،ولا بالالتحاق بهذا المعسكر أو ذاك.. بل بإعادة الاصطفاف العربي وراء استراتيجية واحدة للأمن القومي العربي تمتد مساحتها من العراق والخليج إلى لبنان وفلسطين.. ومصيبتنا في العالم العربي أن الكل يعرف أن هذا هو الحل، والكل يتعامل علي انه الحل المستحيل !!

كاتب صحافي مصري

elsadattt@hotmail.com