مع عودة إطلاق الصواريخ المجهولة من الجنوب والرد المدفعي الإسرائيلي عليها، بالتزامن مع الأزمة الحكومية المفتوحة؛ يكون لبنان قد دخل من جديد إلى دائرة التصعيد والتهديد. وربما هذه المرة إلى ما هو أخطر وأعتى. تعذّر الاتفاق على تشكيل وزارة، بعد شهرين ونصف من التكليف، رفع من درجة التوتر والاحتقان في الداخل.
التطورات في جنوبه، أمس الأول، زادت الطين بلّة. المعادلة واضحة: بقدر ما يتعّقّد الوضع السياسي وتتزايد انسدادته، بقدر ما ترتفع حرارة الوضع الأمني وتتزايد التهديدات العدوانية الإسرائيلية للبنان. والخيارات هي أيضاً واضحة: إما أن تحزم الأطراف اللبنانية أمرها باتجاه تشكيل حكومة تتولى إغلاق نوافذ البيت بوجه الأعاصير؛ وإما أن تتمادى في لعبتها الخطيرة، بحيث يزداد انكشاف البلد وبالتالي تضعضعه واستباحته.
توقيت الصواريخ، ليس صدفة. إطلاقها، بعد يومين من الاعتذار عن التكليف، يحمل رسائل بأكثر من اتجاه. وهي ليست المرة الأولى من نوعها. سبق وتكرّرت مرتين خلال هذه السنة.
وكل مرة كانت تحصل في ظلّ وضع مأزوم. المغزى، أن ورقة التفجير جاهزة، لجرّ البلد إلى مواجهة لا يحتملها، مع إسرائيل. والمعروف بأن حكومة نتانياهو رفعت من وتيرة شحن الأجواء، في الآونة الأخيرة من خلال الاستفزازات والانتهاكات المتواصلة للأجواء الجوية اللبنانية. كما من خلال حشوداتها وتدريباتها على الحدود؛ فضلاً عن تهديدات مسؤوليها المدنيين والعسكريين، ضد لبنان.
لكن ذلك ليس بغريب. إسرائيل تعيش على التهديد والحروب. الغريب أن القوى السياسة اللبنانية كافة، تدرك تماماً خطورة الفراغ الناشئ عن خلافاتها، ليس فقط على الصعيد الأمني الداخلي بل أيضاً الأمني الوطني؛ ومع ذلك تبقى أسيرة مواقفها وشروطها وحساباتها الخاصة، لتواصل دورانها في الدوّامة ذاتها. التعثّر السياسي ما زال يراوح مكانه.
كالعادة، بدأ ينتج عنه احتقان وتوترات، عرف اللبنانيون، أكثر من مرة، نهاياتها وعواقبها. يتلازم معها حدوث فجوات، تنتعش معها الاختراقات وتتسلل منها محاولات توريط، ولو غير مقصود، مع إسرائيل. فهذه الأخيرة تتحيّن الفرص والذرائع، لتركب موجتها وتعمل من الحبة قبّة؛ في تسويغ عدوانيتها. كما أنها تتعمد الاستفزاز والاستدراج لمواجهة، يكون البلد فيها غارقاً ومنهكاً، في أزمات وخلافات مستحكمة. بذلك تواجهه وهو مقسوم وتزيد من تأزم علاقاته الأهلية.
الخطوط التي ترتسم، هذه الأيام، في الأفق اللبناني؛ تدعو إلى القلق. إنها تنذر بهبوب عواصف، تهدّد السلم الأهلي كما تهدّد سلامة البلد. وحدها يقظة أهله تحميه من المخاطر، بالرغم من كل الحسابات والدوار القادمة من خارجه. فالكرة، بالنهاية، في ملعبهم.
