أخيرا هدأت العاصفة الهوجاء التي هبت بصورة فجائية وبغير مبررات منطقية، فلبدت سماء العلاقات السورية العراقية بالغيوم الداكنة، بينما كان البلدان الشقيقان الجاران اللذان سادت علاقاتهما القطيعة على مدى عقود، لأول مرة على بداية «التعاون الاستراتيجي» تحت سماء بدت صافية.

وأثارت الغبار في السماء العربية المشبعة بالأزمات والتي لم يكن بها مساحة لأزمات عربية جديدة، خاصة أزمة من هذا النوع المنفلت عن حدود السيطرة، بما يضر بالعراق مثلما يضر بسوريا، ويضر بالأمة العربية مثلما يضر بالأمة الإسلامية..

ولا شك أن معظم العرب والمسلمين قد شعروا بارتياح كبير لنجاح الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى في الجمع بين وزيري الخارجية السوري وليد المعلم ونظيره العراقي هوشيار زيباري على مائدة الحوار العربية باعتباره الطريق الوحيد لحل المشاكل بين الأشقاء.

وتجنب الوقوع في فخ التدويل الذي لن يكون حلا بل سيزيد من تعقيد للمشكلة، والخروج بنتائج إيجابية أهمها وقف الانزلاق نحو التدويل والاتجاه إلى دائرة التعريب، ووقف الحملات الإعلامية بين العاصمتين، وتشكيل لجان أمنية وسياسية مشتركة للتحقيق القانوني وللمعالجة الموضوعية للأزمة، وعودة سفراء البلدين إلى دمشق وبغداد ..

كما حل الشعور بالتفاؤل محل الشعور بالتشاؤم قبل اجتماع وزراء الخارجية العرب لمناقشة الملف المزدحم بالقضايا العربية من فلسطين، إلى اليمن إلى الصومال إلى السودان، لما أسفر عنه الاجتماع الرباعي الناجح الذي أعاد ملف الأزمة إلى إطارها الطبيعي في بيت العرب في العاصمة المصرية بحضور وزير الخارجية التركية أحمد داوود أوغلو، تتويجا للاتصالات التي قامت بها الجامعة العربية منذ البداية، وللتحركات التي قام بها على التوالي وزير الخارجية الإيراني ونظيره التركي بزيارتين لكل من العاصمة السورية والعراقية لاحتواء الأزمة العاصفة.

ولقد كان ما تحقق هو ما كنا نتوقع أن يحدث منذ البداية عقب التفجيرات الإرهابية يوم الأربعاء الدامي، والذي لقي التنديد من كل العواصم وفي مقدمتها العاصمة السورية التي وجهت بغداد إليها الاتهامات الإعلامية المتسرعة دون أدلة قانونية مقنعة، وربما كان هناك عذر مبرر للغضب العارم في العراق نتيجة العملية التي أوقعت المئات من الضحايا العراقيين الأبرياء..

لكن ما لم يكن له عذر مبرر هو سرعة توجيه الاتهامات في كل اتجاه وليس في اتجاه واحد، ونحو الأشقاء وليس باتجاه الأعداء، بحيث ينفي كل اتهام الاتهام الآخر، ومن كل الأطراف في العراق تجاه كل الأطراف في جوار العراق تصريحا أو تلميحا، بما لم توفر أحدا، لا من الإيرانيين ولا من السعوديين أوالأردنيين، وليس السوريين فقط، بما عكس ارتباكا داخليا ملحوظا، واستياء خارجيا عربيا جعل الرئيس السوري بشار الأسد يعتبر تلك الاتهامات بلادليل «لاأخلاقية ولاقانونية ولا منطقية».

كما عكست تلك التناقضات اختلافا بين الأطراف العراقية الحاكمة وهو ماتجلى في بيان مجلس الرئاسة العراقي الذي اعتبر بيانه الرسمي على لسان الرئيس العراقي جلال الطالباني ونائبيه الشيعي عادل عبد المهدي والسني طارق الهاشمي قبل عقد الاجتماع الرباعي في القاهرة، «أن تسرع نور المالكي رئيس الوزراء العراقي بالتوجه بشكواه إلى مجلس الأمن دون موافقته أو التشاور معه هو عمل غير قانوني»، نافيا اتهام الدولة السورية، ومؤكدا ضرورة العودة بالعلاقات السورية العراقية عبر الحوار إلى طبيعتها، وهو الموقف العقلاني الذي شكل الكابح لذلك الانزلاق اللاعقلاني الخطير!

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com