كلما تواترت المزيد من التفاصيل حول الأزمة بين العراق وسوريا بشأن تفجيرات (الأربعاء الدامي) في بغداد تزداد المسألة غموضا. لكن أحدث التطورات تفيد الآن بأن هذه الأزمة الخارجية لا تعكس سوى خلاف داخلي عراقي على مستوى قمة السلطة.
التفجيرات التي وقعت في 19 أغسطس المنصرم استهدفت مبنى كل من وزارة الخارجية ووزارة المالية وأودت بحياة نحو مائة شخص. وعلى الفور لجأ رئيس الوزراء نوري المالكي إلى اتخاذ خطوات تصعيدية منها اتهام سورية بأنها وراء التدبير والتنفيذ. وبالتحديد طالت اتهامات المالكي شخصيات قيادية في حزب البعث العراقي يقيمون في سوريا.
وطالب رئيس الحكومة العراقية دمشق بتسليم هذه الشخصيات. لكن السلطات السورية طالبته بتقديم أدلة ملموسة لتبرير التسليم. وعوضا عن إبراز أدلة دامغة سارع المالكي إلى اتخاذ خطوتين: قام أولا بسحب السفير العراقي لدى دمشق (وردت الحكومة السورية بسحب سفيرها من بغداد).. وثانيا طلب رسميا من مجلس الأمن الدولي إجراء تحقيق دولي في الأمر.
رغم ذلك فإن ما يلفت الانتباه أن المالكي يبدو وكأنه ليس واثقا تماما من أن اتهامه لسوريا والقادة البعثيين المقيمين في دمشق يستند إلى مبرر قانوني صلب. هذا ما تعكسه رسالته إلى مجلس الأمن الدولي.
لقد قال رئيس الوزراء العراقي في تلك الرسالة (نحن نعتقد أن تنظيم وحجم تلك المهمات ؟ أي تفجيرات بغداد ـ والحبكة التي جرت بها الإنفجارات وعملية التخطيط والتمويل التي تقف وراءها ما كان لها أن تتم لولا وجود دعم من أطراف وقوات خارجية).
لكن مع هذه العبارات اللفظية القوية لم تأت رسالة المالكي على أي ذكر لسوريا بالتحديد. ثم كيف يستقيم أن يطالب رئيس الحكومة العراقية بإجراء تحقيق وهو قد حدد المتهم أولا قبل أن يبدأ أي تحقيق؟
الأزمة إذن تبدو داخلية. هذا ما يستفاد من بيان صدر عن رئيس الجمهورية العراقية جلال طالباني يؤنبه فيه رئيس حكومته. فقد وصف الرئيس موقف المالكي بأنه أمر (غير قانوني). وعدم القانونية في هذا السياق هو كما يقول طالباني هو أن المالكي لم يستشر الرئاسة بخصوص طلب التحقيق الدولي.
ومما هو جدير بالذكر أنه بينما لجأ المالكي إلى التصعيد ضد سوريا فإن الرئيس طالباني يدعو إلى حل الخلافات بين العراق وسوريا بشكل مباشر (عن طريق الحوار). ويبقى السؤال: هل يريد المالكي التمهيد لقرار لاحق بطلب عدم انسحاب القوات الأمريكية باعتبار أن الأمن القومي العراقي مهدد؟