دوامة العنف تزداد نمواً في العراق، في الوقت الذي تركت تفجيرات الأربعاء الدامي آثاراً نفسية عميقة لدى كل أبناء الشعب العراقي ودوامة الحيرة تلف جل تفكيرهم وأسفهم لما يحصل من تصعيد غير مسبوق، وعلى الحكومة والقيادات السياسية لمختلف الأحزاب أن يثبتوا نضجهم السياسي، ويرتفعوا إلى مستوى المسؤولية، ويدركوا جيداً أن الصراعات الطائفية إذا استمرت فإنها ستؤدي إلى تدمير كل الانجازات الأمنية المحققة.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هل جاهزية القوات الأمنية وحدها تكفي لضمان فرض الأمن وتحقيق السلام الاجتماعي أم أن الطريق لايزال طويلاً في العراق؟ ذلك البلد الذي شهد خلال السنوات الست الماضية موجة عنف طائفي كادت أن تعصف بمستقبل البلاد السياسي، وتركت شرخاً عميقاً في العلاقة بين فئاته، وهذا بالتأكيد يحتاج إلى المزيد من الوقت لرأب الصدع وإصلاح ما أفسده العنف الطائفي والسياسي.

فالهدف الرئيسي من تزايد أعمال العنف هو جر الشعب إلى نقطة العنف الطائفي لكن هذا الهدف أصبح بعيد المنال لأن الشعب العراقي أصبح واعياً وحريصاً هذه المرة على ألا يقع في أتون الصراع الطائفي مرة أخرى.

وعليه بات من المطلوب بلورة استراتيجية ومشروع وطني متكامل، يستهدف إنهاء هذه الظاهرة من جذورها. وان الاعتقاد بان تشكيل حكومة وحدة وطنية وحده كافياً لوضع حد للعنف والإرهاب في العراق ما هو إلا ضرب من ضروب التمني غير المنطقي لأنه دون تأمين الوسائل والإمكانيات والآليات الفعالة لتحقيق المصالحة الفعلية فسيظل العنف سيد الموقف.

فالحكومة العراقية مهما اتخذت من إجراءات لتحقيق الأمن، وعلى مختلف المستويات، سيبقى هذا الأمن هشاً وقابلاً للتردي حالما تسنح الفرص بذلك، ما لم تتحلى بالجرأة والشجاعة في مواجهة أبرز وأهم الملفات، وهو ملف المصالحة الوطنية، بشكل جدي، فجميع ما وضع موضع التنفيذ في هذا الشأن، حتى الآن، لا يرقى إلى مستوى المطلوب لمعالجته.

وبات من المؤكد ان انسحاب القوات الأميركية من المدن ليس هو الذي سيحدد مستقبل البلاد، وأن ما ستحدده الانتخابات القادمة، وهذا هو الاختبار الحاسم فإذا تمكنت الأحزاب والكتل السياسية المتناحرة من التفاهم والتعايش فيما بينها فإن ذلك سيضع البلاد في الاتجاه الصحيح والبدء بمرحلة جديدة لإصلاح ما خلفته السنوات الماضية من عنف ومآس.