الأربعاء الماضي كان يوماً مميزاً عند كثير من الناس في تاريخ السنة الميلادية، فهو يوم يتكرر فيه الرقم تسعة ثلاث مرات، حيث إنه يوم التاسع من شهر تسعة لعام ألفين وتسعة. ومثلما يختار العشاق مثل هذه التواريخ المميزة للاحتفال بذكرى ارتباطهم ببعض، اختارت دبي هذا اليوم لتطلق المتر الأزرق، الذي سيصبح العلامة الفارقة في خارطة شبكة المواصلات العربية، وسيكون الحدث العربي الأبرز في الأخبار العربية التي اعتادت من الأفعال، قتل وفجر ومات ونسف، ليصبح خبر مترو دبي خبرا أخضرا في تاريخ يوم عربي تستريح عنده الآمال التي أتعبها الجدب ووهن الأمل.

المترو الأزرق الذي وقف على مشهد ومرأى أهالي دبي وزوارها أربع سنوات أعلن صوت انطلاقته الكهربائية، بكابينة فارغة من قائد بشري، ليسير بتقنية عالية التجهيز في الساعة التاسعة وتسع دقائق وتسع ثوان زيادة في الإيحاء بأن العقل قادرا على الابتكار، ليعبر الخط الأول الأحمر المنجز متوقعا أن ينتهي الخط الأخضر بعد أقل من عام.

مازلت أتذكر تلك الدينامكية المدهشة بإعجاب والتي عبر عنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في اجتماع كبير يشير فيها إلى أزمة المرور في دبي منذ أعوام، وحين كانت فكرة المترو في أول أيامها قائلا: مشكلة ازدحام المرور مشكلة، وكل مشكلة ولها حل، وليس إنشاء المترو إلا واحد من هذه الحلول.

لهذا كانت اختناقات دبي دائما مرتبطة بانتظار الحلول، وحين تنتظر الحل فإن هذا يعني أنك مرتبط بالأمل لا اليأس، وهذه طريقة في التفكير لم يعتدها العرب عادة، وخاصة ذلك الجيل الذي لا يستطيع أن يعرف نفسه بسوى أنه جيل النكسة أو جيل الهزيمة. هذا المشروع العملاق منذ بدأ كان الناس يعرفون تاريخ انتهائه تاريخا سهلا على الجميع تذكره، تسعة تسعة تسعة، وصعب على البعض انتظاره، لكن الأيام مرت وجاء الأزرق ليفي بوعده ويتحرك بإذن الله في الموعد الذي رسم له.

هذا المشروع الأنيق الذي تكلف ثمانية وعشرين مليار درهم، بعد أن كانت قيمة العقد الأولى 15,5 مليارات درهم، بسبب زيادة أطوال المشروع وإضافة محطتين للركاب، وتغيير في تصاميم المحطات وجسور المشاة،، قادرا كما هو متوقع أن يتمكن المشروع من توفير 17 مليار درهم لتغطية 50% من كلفته خلال الـ 10 سنوات المقبلة. رغم أن أسعار المترو لا تتجاوز سعر التنقل في محطة واحدة التسعين فلسا أي أقل من درهم واحد كما يعفي الأطفال الصغار من الرسوم وتخفض تذاكر الطلبة وكبار السن. فأين هي المبررات التي يمكن للمدن المختنقة بمركباتها أن تجعلها ذريعة للتأخر عن الإيمان بأن فكرة المترو ممكنة؟.

الذين تعودوا المرور كل يوم بموازاة جسر المترو الممتد الطويل وشاهدوا خرسانته وهي تتمدد، لن يعدموا أبدا دهشة التفاصيل، وهم يتابعون التقارير التي تنشرها هيئة مواصلات دبي حتى اليوم، لحظات ما قبل الانطلاق، فكل الأسئلة لها إجابات، ماذا لو ضاعت تذكرتي؟ ماذا لو لم أجد في الخط المستخدم نفس الدرجة؟، هل استطيع أن أحجز مقعدي؟ أما الذين يسافرون ويعودون فهم وحدهم الذين ستكون صورة خط المترو الأزرق دهشة كاملة لهم اليوم وربما غدا حين يزورون دبي. فالدهشة تكبر حين لا تعرف تفاصيلها. والفارق كبير بين من يعيش الانجاز وبين من يتفرج عليه من الخارج.

المترو الذي يتوقع أن يساهم إنشاؤه في حل جزء كبير من الازدحام المروري، وتقليل الاعتماد على استخدام السيارة مما يخفف العبء البيئي ومن التلوث، يساهم أيضا في فتح الباب لأفكار خلاقة وإيمان جديد بأن الأحلام التي يساندها العزم والتصميم ممكنة. أن نجاح مترو دبي وولادته اليوم ليس انجازا يخص دبي لوحدها لكنه انجاز يقف بكل عربي على أفق الأحلام، ويرسم في واقعهم الذي اعتاد الهزائم، يقينا بأن الفكرة، قوية وخلاقة وممكنة.

هذا المشروع سيمنح أصحاب خلق العوائق، الذين لا يجيدون سوى وضع الوهن في العزائم بجملة (بس ولو)، و(حنا العرب ما نصلح لشي)، و(هذا الشي ما يصلح لنا)، اجازة مؤقتة، بل ستجعلنا نتذكر ذلك المنهج الايجابي، لا تقل لا أعرف تعلم.. ولا تقل مستحيل جرب. وأنا أقول أن الانجاز الكبير ليس في المترو، الانجاز الكبير كان في الفكرة وفي العزم والتصميم، وأن كنت لا احسد دبي على المترو فإنني أحسد أصحاب التخطيط الذين اخترعوا الفكرة وأمنوا بها ففازوا.