أكد الصحافي النرويجي سيمن ساترة في مقدمة كتابه «شوكولاته» على أن الشوكولاته «ليست مجرد شوكولاته فحسب، بل إنها مُنتج مفعم بمشاعر وبتاريخ ثقافي». وهي مسألة يحاول أن يركز عليها الكتاب الراهن من حيث تناول الشوكولاته عبر تأثيراتها البشرية المختلفة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وتاريخيا.
فالشوكولاته تصاحبنا أينما نذهب، وتشاركنا أحلامنا ورغباتنا وعلاقاتنا العائلية والشخصية، كما أنها تلازمنا في الكثير من المناسبات، من هنا فإنها تكتسب تلك الرقة والنعومة التي ترتبط بها وتحددها.
بالإضافة إلى ذلك هناك وجه آخر خفي خاص بهذا المنتج من حيث الاستغلال المرتبط بصناعة الكاكاو حول العالم وبشكل خاص في غرب أفريقيا، فسعادتنا بالتهام الشوكولاته مرتبطة بالاستغلال البشع للعمال والمزارعين الفقراء حول العالم.
يركز الكتاب على مسيرة الشوكولاته وحركتها وتطورها عبر التاريخ من حيث الاستغلال وحجم تأثيره كونيا وبشكل خاص عمل الرقيق.
حيث توضع الشوكولاته في بؤرة الاقتصاد السياسي وصراع المصالح وقبح تربح الشركات العالمية.
والكتاب مبني على تحليل ميداني واقعي من خلال زيارات قام بها المؤلف لغرب أفريقيا عام 2002 محاولا الوقوف على طبيعة العمل في مزارع الكاكاو والظروف المجحفة الأقرب لحالة العبودية التي يعمل العمال والمزارعون من خلالها؛ فهو كتاب يحاول الوقوف عند مصائر الذين يسهمون في إنتاج الشوكولاته، اعتمادا على العديد من المقابلات التي بلغت أربعا وثمانين مقابلة مع العديد من الشخصيات من ستة بلدان مختلفة.
يتناول الكتاب موضوع الشوكولاته من خلال وجهة نظر نقدية تتعامل مع كافة الجوانب الخاصة بها بما في ذلك تلك الادعاءات المرتبطة بأهمية الشوكولاته لصحة الإنسان.
وينقسم الكتاب لقسمين أولهما يتعلق بزيارات الكاتب لساحل العاج، وثانيهما يتعلق بالعودة لأوروبا ومقابلاته المختلفة مع أصحاب مصانع الشوكولاته وسرده للتطورات المختلفة بهذه الصناعة في أوروبا، وبشكل خاص في النرويج من خلال تناول تاريخ شيكولاته «فرايا» التي أصبحت جزءا من تاريخ النرويج الحديث.
يبدأ الكتاب بسرد قصص مُؤلمة ومُشينة للكثيرين من الأفارقة الذين يعملون في مزارع الكاكاو في ساحل العاج التي تُعد من أكثر الدول فقرا في العالم، والتي تنتج ما يقرب من 40% من إجمالي إنتاج الكاكاو في العالم، وهو أمر ساعد إلى حد كبير على هجرة العمالة من الدول المجاورة وبشكل خاص من دولة مالي الفقيرة إليها.
حيث يتم اصطيادهم من دولهم للعمل في الدول المجاورة وبأجور ضعيفة جدا وظروف عمل بالغة الصعوبة والشقاء. إن مخاطر العمل في تلك النوعية من المزارع لا ترتبط فقط بالأجور المتدنية والظروف الشاقة المصاحبة لها لكنها ترتبط أيضا بالإجبار المرتبط بها.
حيث يُرغم العمال على العمل وتتم ملاحقة كل من يحاول الهرب منهم وإرغامه على العودة للعمل مرة أخرى، فهي شروط عمل عبودية بدرجة أو بأخرى حتى ولو حاول أرباب العمل تسميتها بمسميات أخرى.
يبدأ العديد من العمال العمل في مزارع الكاكاو وهم صغار في سن العاشرة، وهو ما يُلقي الضوء على الغبن والظلم الذي يتعرض له الأطفال وذويهم الذين تحدوهم الرغبة في تحسين ظروفهم المعيشية. فمن خلال الرغبة الهائلة في التخلص من الفقر يمكن للمرء أن يقوم بأي عمل وتحت أي شروط، لكنه يفاجأ فيما بعد بظروف أشد قسوة وأكثر غبنا مما توقع.
ويُبرز الكتاب أهمية الحملات الصحفية الدولية في الكشف عن أوضاع هذه العمالة والتنويه بوضعية العبودية التي يواجهونها. فمن خلال الحملات التي قام بها مجموعة من الصحفيين عبر الصحف العالمية مثل صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، أمكن لفت نظر مؤسسات الإغاثة والمنظمات الإنسانية إلى أوضاع هذه العمالة الأمر الذي أدى لتحركها من أجل مواجهة الاستغلال البشع الذي يواجهونه.
وهو أمر وصل ببعض الساسة في الكونجرس الأميركي إلى محاولة إرساء نظام يسمح بضرورة وضع عبارة «شوكولاته خالية من الرق».
إن المخاطر المرتبطة بقطاع الكاكاو تستند إلى كونه قطاعا متخلفا يعمل من خلال تكنولوجيا راكدة وبمردودية ضعيفة جدا. وهو الأمر الذي يجعله يعتمد اعتمادا كليا على الأيدي العاملة غير المدربة التي تجد نفسها دائما أسيرة ظروف العمل المتردية والعائد المادي المتدني.
ويتناول الكتاب الأوضاع المذرية التي تعايشها ساحل العاج بوصفها أكبر منتج للكاكاو في العالم؛ فمنذ استقلال ساحل العاج عام 1960 عن فرنسا اعتمدت اعتمادا شبه مطلق على إنتاج الكاكاو كمصدر أساسي للتنمية وهو أمر استمر لسنوات طويلة في ضوء النهج الذي انتهجه الرئيس «أوفوت بواني» من خلال ترحيبه بالعمالة الوافدة من الدول المجاورة: مالي، بوركينا فاسو، ليبيريا، غينيا، السنغال، وغانا.
ومنذ الثمانينات ومع الانهيار الهائل لأسعار الكاكاو والارتفاع الحاد لأسعار النفط، انهار نموذج التنمية ووجدت ساحل العاج نفسها مُواجهة بالديون الهائلة ومُلزمة بتطبيق خطط البنك الدولي الأمر الذي أشعل الحروب الداخلية الطاحنة التي دفع المهاجرون ثمنها بدرجة كبيرة.
وعلى حد قول مؤلف الكتاب في توصيفه للوضع الناجم عن الصراعات المختلفة في ساحل العاج «هذه هي الأحداث التي تعيش فيها المناطق التي يأتي الكاكاو منها؛ كي نستخدمه في صنع الشوكولاته التي نسعد بتذوقها: الحرب؛ عمل الأطفال؛ استغلال العمال القصر والعمال الأجانب وتعرضهم للتمييز العرقي».
كاتب مصري