يوجد في أفغانستان اليوم ما يزيد عن 100000 جندي أجنبي يعملون في إطار الحلف الأطلسي تحت عنوان ما يسمّى «القوّة الدولية للمساعدة على أمن أفغانستان». وقد بلغ عدد القتلى بين صفوف هؤلاء الجنود منذ بداية هذا العام 324 جنديا من بينهم 186 أميركيا؛ أي الرقم القياسي منذ التدخّل الأميركي عام 2001. وكان شهر أغسطس الماضي قد عرف مقتل 77 جنديا، وهذا رقم قياسي آخر.
الأرقام لا تكذب. ودلالتها الواضحة في هذا السياق هي أن العنف يتزايد في أفغانستان وأن القوات الأطلسية،مهما كانت التسمية،لم تفلح حتى الآن في إيجاد إستراتيجية ناجعة لها في أفغانستان.بل على العكس،كل ما يجري على أرض الواقع يشير إلى أن مواقعها تتقهقر.وليس هناك ما يسمح بالقول إنها ستصل إلى إستراتيجية فاعلة بسهولة في الأفق القريب.
وتدلّ مؤشرات الواقع أن الجنود الأطلسيين،الذين تلقوا بالتأكيد تدريبا عاليا لمواجهة تهديدات كالتي كان يمثلها الاتحاد السوفييتي السابق، ليسوا ذوي خبرة كبيرة في التصدي لمجموعات مثل تلك التي يقاتلونها في أفغانستان. لا شك أن عامل اللغة ومعرفة الأرض وشعابها وجيولوجيتها الجبلية الوعرة تزيد من وعورة مهمتهم.وعلى خلفية كل هذه المعطيات رأى بعض المحللين العسكريين الغربيين أن الحرب الأميركية ـ البريطانية «أساسا» لم تكن خطأ،لكنها كانت «خطيئة».
وقد كان رئيس أركان الجيوش الأميركية الأميرال مايكل مولن نفسه في غاية الوضوح عندما وصف منذ فترة قريبة الوضع في أفغانستان أنه «جدي» و«يزداد خطورة».
أمام هذا الطريق المسدود،ومهما كانت درجة المبالغة فيه من أجل الضغط باتجاه طلب تعزيزات من قبل الحلفاء الأوروبيين، أعلن قبل أيام قائد القوات الأطلسية في أفغانستان الجنرال ستانلي مكريستال أن هناك إستراتيجية جديدة تتحضّر وسيتم رفعها لقائد القوات الأميركية في العراق وأفغانستان الجنرال دافيد بتراوس كي تصل قريبا إلى الرئيس أوباما الذي أعلن منذ البداية عن تغيير الإستراتيجية في أفغانستان.
تقول الخطوط العريضة للإستراتيجية الجديدة بعدم اللجوء لاحقا للقصف بالطيران إلا في حالات الضرورة القصوى.بالمقابل يتم التأكيد أن الأولوية سوف تعطى لحماية السكان والأراضي الزراعية. بل يتم الذهاب أبعد في منحى التقارب مع الأفغان عبر برمجة المساعدة ببناء المدارس والمستشفيات وحفر الآبار؛أي الاستجابة لما يحتاجه الأفغان.وهذا كلّه عبر الحكومة الأفغانية الشرعية.
مشروع طموح وجديد بالفعل. لكن تطبيقه يستدعي بالضرورة خروج الجنود من ثكناتهم ومعاقلهم المحصّنة التي يحسبون اليوم ألف حساب قبل الخروج منها ؛أي تعرضهم أكثر لكمائن المقاتلين الأفغان من أعدائهم.
وزيادة عدد الضحايا تعني آليا زيادة رفض الرأي العام الغربي لحرب «ليست حربه»، حسب الفكرة الغالبة لديه. بل ويرى قسم كبير من هذا الرأي العام فيها «حربا استعمارية محكوم عليها بالفشل».
وليست قليلة هي التحليلات في الغرب التي تقول أن وضع الجنود الغربيين في أفغانستان يشابه إلى حد التماثل وضع السوفييت خلال سنوات 1979 ـ 1989. فالقوى التي يقاتلونها هي نفسها والأفغان ينظرون إليهم كـ «غزاة» أيضا. ولا شيء يمنع من أن يكون المصير واحدا.
بالتأكيد يتعمّق مثل هذا الإحساس أكثر بسبب عمليات القصف الجوي الأطلسية للمدنيين مثل العملية الأخيرة التي تُجمع التقديرات المقدّمة أن عدد ضحاياها قارب المائة ضحيّة. وليس هناك أي خطاب تبريري يمكن أن يغيّر تلك الحقيقة بالنسبة لأولئك الذين عاشوها.
ثمّ أن مقاتلي طالبان اكتسبوا خبرة كبيرة في استثمار ذلك لصالحهم ولصالح دعايتهم الموجّهة تحديدا للرأي العام الغربي. للتذكير كان الرأي العام الأميركي هو ورقة الضغط الأساسية التي أرغمت الإدارة الأميركية آنذاك على الانسحاب من فيتنام. وتدل استطلاعات الرأي التي أُجريت في أميركا قبل فترة وجيزة أن 51 بالمائة من الأميركيين يطالبون بعودة جنودهم إلى الولايات المتحدة.
ونفس المؤشرات في أوروبا حيث تتعزز مناهضة الحرب،خاصة في بريطانيا وفي فرنسا.
لكن رغم هذا كلّه لا تلوح في الأفق المنظور أية إمكانية لاتخاذ الحكومات المعنية القرار بانسحاب فعلي. السبب الواضح السريع هو أن الانسحاب يعني ترك المجال مفتوحا أمام جعل أفغانستان كـ «مركز تدريب واسع» لكل خصوم الغرب في العالم، وهم كُثر.
وسيكون للانسحاب «ترجمته» بالنسبة للبلدان المجاورة وليس باكستان وحدها.وسبب ثالث يتمثّل في مقولة تتكرر كثيرا في الغرب مفادها أنه لم يتم الانسحاب من أية بقعة في العالم في سياق مأزوم إلاّ و«عض الغربيون أصابعهم ندما».
في مثل هذا السياق يبدو الغربيون واستراتيجيتهم الجديدة في أفغانستان في حالة «سباق مع الزمن» بين الحرب وضحاياها وبين ضغط الرأي العام الغربي المتعاظم أكثر فأكثر. وتبقى الكلمة الفصل في النهاية للأفغان أنفسهم.
كاتب سوري ـ باريس
