يتابع العرب والعالم هذه الأيام فصولا من بهلوانيات رئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو) وهو يستعرض «مهاراته» في الضحك على الذقون وفي «تدويخ» الفلسطينيين والعرب بسفسطات لا تنتهي.
آخر فصول هذه البهلوانيات شهده العرب والعالم حول الاستيطان حيث ظل هذا اليميني المتطرف يدور ويناور منذ عودته إلى سدة الحكم في الكيان الصهيوني... وذلك بهدف تحقيق هدف كبير يتمثل في الجمع بين متناقضين وهو جمع «تتطلبه» الخطط الصهيونية و«تطلبه» السياسات والمصالح الأمريكية... ويتمثل في الإيهام بتراجع ما في ملف الاستيطان مقابل تأمين أجواء وفرص استئناف ملهاة ما يسمى «مفاوضات السلام»...
والتي اتضح جليا انها لا تصلح إلا غطاء للسياسات والمخططات الصهيونية التي تتطلب بعض الوقت لتتكرّس على أرض الواقع وتكرس «حقائق» جديدة يناور بها المفاوض الإسرائيلي ويركبها لمزيد ابتزاز الطرف الفلسطيني ولمزيد افراغه حقوقه الوطنية المشروعة من أية مضامين قد تجعلها تبلغ مداها ممثلا في انشاء دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية كما تنص على ذلك قرارات الشرعية الدولية.
آخر البهلوانيات التي لجأ إليها نتنياهو للالتفاف على «انزعاج» أمريكي و«غضب» أوروبي مزعومين والقاء الكرة في الملعب الفلسطيني تمثلت في اعلانه عن تركيبة عجيبة... تقضي بـ«تعليق» الاستيطان في الضفة مع استثناء القدس التي سيتم فيها بناء مئات الوحدات السكنية الجديدة...
وهكذا يبدو الكيان الصهيوني أمام أميركا والعالم في موقف من التزم بـ«تعليق» البناء في المستوطنات وهو ما يتوافق مع الشرط الأمريكي لتأمين استمرار مفاوضات السلام وتطبيع علاقات إسرائيل مع دول عربية...
نقول هكذا يبدو، لأن الخدعة الصهيونية تبدو ظاهرة للعيان لأن البناء الاستيطاني في الضفة مكتمل تقريبا وقد أعلن ذلك مسؤولون اسرائيليون منذ فترة بقولهم إنهم أحجموا عن بناء كتل استيطانية جديدة وأنهم سيكتفون مرحليا بالبناء في اطار «التمدّد الطبيعي» للمستوطنات... وهو ما لم يشمله اعلان نتنياهو بحيث يتواصل البناء في هذا الاطار بعد فترة بالاتكاء على أن إعلان التعليق يشمل الكتل الجديدة وليس توسيع المستوطنات القائمة.
وفي المقابل فإن يد الصهاينة سوف تنطلق في بناء المزيد من الوحدات السكنية في القدس المحتلة التي يعد تهويدها وتغيير ملامحها العربية ـ الإسلامية والمسيحية أولوية صهيونية مطلقة... وهو ما قد يكون تم الاتفاق بشأنه (مسبقا) في جولات المفاوضات الإسرائيلية ـ الأميركية التي جرت مؤخرا بشأن الاستيطان في الأراضي الفلسطينية... وذلك في التفاف واضح على الطرف الفلسطيني صاحب الأرض وفي ظل تغييبه بالكامل من مفاوضات تخص حاضره ومستقبله وحقوقه المشروعة الغير قابلة للتصرف فيها.
هذه الخدعة توفر مجالا للصهاينة لتحقيق أهدافهم والمضي في خططهم لتهويد القدس واحراج الطرف الفلسطيني الذي ربط عودته للتفاوض بوقف الاستيطان من جهة، كما تطلق أيدي الادارية الأمريكية من جهة أخرى لتجر القيادة الفلسطينية (وقد حقق نتنياهو طلبها بوقف الاستيطان) إلى طاولة المفاوضات... ولتجرّ أطرافا عربية إلى تطبيع علاقاتها مع الكيان الصهيوني من باب تشجيع حكومة تل أبيب على المضي في نهج السلام.
وبالمحصلة... قد يفيق الفلسطينيون والعرب إذا ما ابتلعوا هذا الطعم وقد أكمل نتنياهو تهويد القدس ورفع تجميد الاستيطان في باقي الضفة... بعد أن يكون قد نفخ الروح في عملية سلام ميتة لكنه يحتاجها غطاء لمخططاته، وبعد أن يكون طبّع علاقاته مع مجموعة من الدول العربية... ليحصل بذلك على مكاسب ملموسة مقابل حفنة وهم سراب يكون قد حصل عليها الفلسطينيون ومعهم العرب...
