عندما جرت الانتخابات اللبنانية، وبعدما تمخضت عنه من نتائج، لم تكن سارة بالنسبة لبعض القوى والأطراف اللبنانية التي استعد بعضها لحكم لبنان كما توقع قبل الانتخابات بعدة أسابيع، استشعر كثيرون القلق والتوجس من إمكانية العودة إلى الوقوع في لعبة الاستقطاب الحاد مرة أخرى بين الأكثرية غير الحاسمة والمعارضة المعرقلة، وهو ما دفع ويدفع الشعب اللبناني ثمنه على نحو أو آخر، وبأشكال متعددة.

غير أن نجاح الانتخابات، ووجود الرئيس اللبناني العماد ميشال سليمان في سدة الحكم، وما أكد عليه دوما من حرص على التعامل والتفاهم مع كل أطياف القوى السياسية اللبنانية، قد خفف في الواقع من المخاوف والقلق الذي غذاه البعض عبر تسريبات مختلفة ومتنوعة كذلك حول كافة الموضوعات والقضايا ايضا.

ثم جاء تكليف النائب سعد الحريري بتشكيل حكومة لبنانية تكون حكومة وحدة وطنية، وتكون قادرة، كما أكد الحريري أكثر من مرة على الخروج بلبنان الدولة والمجتمع من الحالة السابقة والسير به نحو الاستقرار والازدهار الذي يتوق إليه أبناء الشعب اللبناني الشقيق. وبعد نحو سبعين يوما من المشاورات التي أجراها رئيس الوزراء المكلف مع مختلف القوى والأحزاب والقيادات اللبنانية، قام النائب سعد الحريري بتسليم الرئيس اللبناني العماد ميشال سليمان قائمة الحكومة اللبنانية الجديدة، تمهيدا لاصدار المرسوم الخاص بتشكيلها، حتى تتمكن من ممارسة مهامها، وحتى يبدأ لبنان مرحلة جديدة.

غير أنه يبدو أن الجهود والاتصالات والاتفاقات التي قام بها رئيس الوزراء اللبناني المكلف لم تصل بشكل حقيقي إلى شاطئ الأمان، أو بالأحرى هناك قرار من المعارضة اللبنانية بعرقلة تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة بالشكل الذي قدمه سعد الحريري إلى الرئيس اللبناني.

على أية حال فإنه من المؤكد أن تشكيل الحكومة اللبنانية هو في النهاية شأن لبناني داخلي، غير أن استقرار لبنان وازدهاره وخروجه من حالة الانتظار التي تلف حياته هو أمر يهم كل المحبين للبنان وكل الحريصين عليه وعلى السلام والاستقرار في المنطقة من حوله، نظرا لان لبنان هو في الواقع بمثابة ترمومتر او مقياس لما يجري في المنطقة، ومؤشر لما يمكن ان تشهده من تطورات على نحو أو آخر.

ومن هنا فإن الجدل الواسع الذي ظهر بمجرد تقديم الحريري لوزارته إلى الرئيس اللبناني يشير بوضوح إلى أن المعارضة اللبنانية عادت مرة أخرى إلى لعبة التعويق او التعطيل، وتصريحات العماد ميشيل عون وغيره من قيادات المعارضة اللبنانية حول أسلوب الحريري في تشكيل الحكومة اللبنانية من شأنها أن تثير الكثير من القلق بشأن ما يمكن أن تشهده الفترة القادمة من تطورات، خاصة وأن العماد عون أعلن أن الوزراء الذين ينتمون إلى جناحه السياسي سوف يستقيلون من الحكومة إذا وافق الرئيس اللبناني على تشكيلها، وهو ما يعني ببساطة العودة إلى لعبة الاستقالات التي شلت حكومة رئيس الوزراء فؤاد السنيورة.

ومع الوضع في الاعتبار ما أشار إليه رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري قبل أيام من ارتباط تشكيل الحكومة والانفراج في لبنان بشكل عام بمعادلة إقليمية، وأنه يتوقع الإنفراج من نهاية شهر رمضان، فإن مصلحة لبنان، دولة وشعبا تقتضي ليس فقط ضرورة الالتقاء بين كل الفرقاء اللبنانيين ولكنها تقتضي ضرورة الارتفاع على الحسابات السياسية الضيقة والفئوية والمذهبية التي ينبغي ان تتضاءل أمام المصلحة اللبنانية الجماعية، خاصة وان لبنان قام وبقي وتطور على أساس التقاء وتعاون كل أبنائه وطوائفه دون استئثار ودون نفي للآخر، ولعله آن الآوان للتخلي عن لعبة التعطيل المتعمد وشل الحكومة .. فهل يحدث؟