لعل الأهم من الفوز الساحق الذي حققه «حزب اليابان الديمقراطي» في الانتخابات الأخيرة هو البرنامج الانتخابي الذي فاز على أساسه وما يحمله من دلالات مهمة. فقد منى «الحزب الليبرالي الديمقراطي» الحاكم بهزيمة ساحقة بعد أن حكم اليابان على مدى 54 عاما تكاد تكون متصلة، حيث حصل حزب اليابان الديمقراطي المنافس على 308 مقعدا من أصل 480، الأمر الذي يسمح له بتشكيل الحكومة الجديدة وتولى الحكم الشهر الجاري.
ورغم الدلالات المهمة التي تنطوي عليها هزيمة الحزب الليبرالي الديمقراطي وما تعنيه بالنسبة للمستقبل السياسي للحزب والتركيبة السياسية والحزبية في اليابان إلا أن الأهم من ذلك في تقديري هو ذلك البرنامج الذي أدار على أساسه الحزب الفائز حملته الانتخابية.
فقد قام برنامج حزب اليابان الديمقراطي في جوهره على منحى يمثل يسار الوسط على الساحة السياسية، فهو تعهد بمد شبكة الضمان الاجتماعي لتشمل عدد أكبر من المواطنين وذلك عبر دعم برامج الرفاهية الاجتماعية وحماية الفئات الأضعف في المجتمع. ووجه الحزب انتقادات للرأسمالية على الطريقة الأميركية ودعا لسياسة يابانية أكثر استقلالية عن الولايات المتحدة الأميركية سياسيا واقتصاديا واستراتيجيا والدفع بالدفة اليابانية جهة الشرق لا جهة الغرب.
وفى خضم الحملة الانتخابية كان زعيم الحزب يوكيو هاتوياما ـ الذي سيتولى رئاسة الوزارة بعد أسابيع قليلة ـ قد كتب مقالا نشرته عدة صحف منها الهيرالد تريبيون والنيويورك تايمز انتقد فيه الرأسمالية في صورتها الأميركية واتهمها صراحة بأنها «خالية الوفاض من القيم والاعتدال» وتعهد بالابتعاد عنها كنموذج عند إدارة الاقتصاد الياباني.
وطوال الحملة الانتخابية كان حزبه- حزب اليابان الديمقراطي ـ يشرح رؤيته في هذا المجال فكانت رموزه تقول أن المبالغة في الخصخصة واعتماد الاقتصاد الياباني المفرط على التصدير فضلا عن العلاقة الوثيقة بالاقتصاد الأميركي قد عرض اليابان «لآثار مدمرة» حين وقعت الأزمة المالية في الولايات المتحدة الأميركية.
ومن يتابع ما قاله رموز الحزب طوال الحملة يلمح بوضوح نبرة لا تخطئها العين حملت صناع السياسة الاقتصادية الأميركية المسؤولية عن الأزمة المالية العالمية واعتبرت أن الدرس المستفاد مما حدث هو أن على اليابان أن تعيد النظر في ارتباط اقتصادها الوثيق بالاقتصاد الأميركي وأن تتجنب اتباع السياسات الاقتصادية نفسها التي يتبعها الأميركيون في إدارة اقتصادهم.
ومن المهم هنا التأكيد على أن حزب اليابان الديمقراطي لم يدع إلى فك الارتباط بالولايات المتحدة الأميركية، ولكنه أكد على ضرورة إعادة صياغة العلاقة معها على نحو أكثر توازنا واستقلالية بما يحمى المصالح اليابانية. وفى هذا السياق نفسه دعا الحزب إلى المزيد من التوجه شرقا أي رفع درجة اهتمام اليابان بجوارها الإقليمى وتوثيق العلاقات التجارية والاقتصادية والسياسية بالصين وكوريا الجنوبية وغيرها من الدول الآسيوية.
أكثر من ذلك، لم ينتقد الحزب فقط الوجود العسكري الأميركي في اليابان وانما دعا لإعادة النظر أصلا في الاتفاقية العسكرية التي تربط بين الولايات المتحدة الأميركية واليابان والتي يتواجد بموجبها نحو خمسين ألف جندي أميركي على الأرض اليابانية.
والحقيقة أن بعض التحليلات السياسية قد ألقت بظلال من الشك حول قدرة حزب اليابان الديمقراطي متى تسلم السلطة على أن يقوم فعلا بإحداث تحول جوهري بالذات في العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية، إلا أن تلك قضية سوف يحسمها سؤال آخر أكثر أهمية وهو حجم التأييد الذي تحظى به تلك الأفكار بين الناخبين اليابانيين. فليس واضحا بعد ما إذا كان الناخب الياباني قد حمل الحزب الديمقراطي للسلطة بسبب إيمانه ببرنامجه أم أنه مجرد تعبير عن رفضه وضيقه بالحزب الذي حكم اليابان لمدة 54 عاما.
ومن هنا، يظل من المهم القول أن هاتوياما لا يأتي في الواقع من على هامش الساحة السياسية اليابانية ولا هو يمثل تيارا راديكاليا صغيرا فيها. ففضلا عن أنه خريج جامعة ستانفورد الأميركية فهو ابن أسرة عريقة في العمل السياسي ويمثل هو ومن معه تيارا قام بالتمرد على أفكار الليبرالي الحاكم. ومن شأن الأيام القادمة أن تكشف عن مدى قوة ذلك التيار الفعلية في السياسة والمجتمع.
لكن ما لا يقل أهمية عن كل ذلك هو أن مغزى ما حدث في اليابان حتى الآن معناه أن التمرد على الأصولية الرأسمالية بصورتها الأميركية طال دولا ظلت دوما معقل الرأسمالية ومضربا للمثل في نجاحها الاقتصادي.
فالدعوة لتجنب التطرف الرأسمالي والسعي لإقامة علاقة أكثر استقلالية مع الدولة العظمى ليست مجرد دعوة يطلقها أمثالنا من المثقفين والناشطين في دول العالم الثالث الذين يتهمون دوما بعدم الواقعية. فلولا أن تلك الدعوة لها مبرراتها الموضوعية التي تتعلق بحماية المصالح العليا للأمم التي تحترم ذاتها الوطنية وتسعى لتحقيق الرفاهية والحرية لأبنائها لما وجدت تلك الدعوة صدى على الساحة السياسية لعملاق اقتصادي رأسمالي كاليابان ولما عبر عنه حزب سياسي استطاع أن يحقق لتوه انتصارا انتخابيا كاسحا.
فلعل التحدي الرئيسي الذي يواجه أمتنا في هذه المرحلة الحرجة من تاريخها هو أن تنجح في إحداث التوازن الدقيق بين إقامة علاقات قوية مع العالم وبين الاحتفاظ باستقلالية قرارها الاقتصادي والسياسي. وفى تقديري أن أيا من ذلك لا يمكن تحقيقه دون الثقة بالذات الحضارية والانطلاق منها لإعادة قراءة الواقع الإقليمي والدولي قراءة دقيقة.
كاتب مصري