بالرغم من أن اليابانيين لا يعرفون الثورات الشعبية على الطريقة الغربية أو العربية فإن ما حدث في اليابان بسقوط الليبرالية وصعود الديمقراطية في الانتخابات اليابانية العامة الأخيرة، من قاعدة الهرم الشعبية وليس من قمته الإمبراطورية، هو أكثر من انقلاب وأقل من ثورة..

وبالرغم من سكون الزلازل في اليابان التي اشتهرت بالزلازل، فإن ما حدث بسقوط الحزب الواحد الحاكم إلى مالا نهاية وهو الحزب الليبرالي برئاسة «تاروآسو» وصعود الحزب الديمقراطي برئاسة «يوكيو هاتوياما» لا يبدو في نظر المراقبين أقل من زلزال سياسي.

وإن كان كما يبدو أكثر من انقلاب ديمقراطي. هذا التغيير المفاجئ الذي أحدثته الإطاحة بالحزب الذي انفرد بالحكم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وصفه كاتب بريطاني بأنه «أقل من تسونامي، لكنه أكثر من زلزال»، لكن، وعلى رغم من العقبات الكثيرة الأمنية والاقتصادية، فإن هذا التغيير الكبير بوصول الحزب الديمقراطي الياباني إلى السلطة سيدشن حتماً مرحلة جديدة قد تكون جذرية في التاريخ الياباني.

فبعد أكثر من نصف قرن قال اليابانيون «لا»، للتبعية السياسية الجانحة، ولليبرالية الاقتصادية الجامحة، وللفوارق الاجتماعية الجارحة التي أحدثتها السياسات الليبرالية الرأسمالية للمرة الأولى بعد أكثر من نصف قرن من جمود الديمقراطية بعدم التداول على السلطة، ومن سكون الزلازل السياسية باستمرار سيطرة الحزب الحاكم بناء على صفقة تقوم على التبعية السياسية والاقتصادية والأمنية مقابل الازدهار والتنمية..

الشعب الياباني رفض تلك الصفقة التي حققت الازدهار والتقدم الياباني تحت حكم الحزب الليبرالي، والتي لم تنجح لولا التمويل الأميركي بعد الحرب العالمية الثانية خوفا من تحرك الرياح الاشتراكية القادمة من الشرق إلى اليابان أو تفجر البراكين اليسارية ضد الغرب بفعل مشاعر الغضب والنزعة الثأرية ضد الدولة..

لا لأن الشعب الياباني يرفض الازدهار بل لأنه يرفض التبعية المفروضة عليه بالقواعد العسكرية، ولا لأنه يرفض التقدم والتنمية ولكن، لأن نتائجها اختلفت بزيادة الفوارق الطبقية كما أن الظروف اختلفت الآن مع التراجع الأميركي والتقدم الصيني.

من هنا جاء برنامج الحزب الديمقراطي الفائز مستجيبا لطموحات الطبقات الشعبية بالتركيز على: تقريب الفوارق بين الطبقات بمجانية التعليم والضمان الصحي، وتوفير فرص العمل ودعم المزارعين، وتطوير نظم المعاشات، وتخفيف هيمنة الرأسمالية الليبرالية ورفض سياسات السوق غير المنضبطة، وإقامة علاقات ندية مع أميركا، وودية مع الصين.

المعروف أن هاتوياما قال في حملته الانتخابية إنه سيعمل على وقف الإمدادات للأسطول الأميركي الموجود في المحيط الهندي والذي يقدم الدعم للعمليات الأميركية في أفغانستان، وانتقد في مقالة نشرت بالإنجليزية مذهب «السوق المنفلتة من عقالها والتي تقودها العولمة الأميركية» لكنه لاحقا خفف من لهجته.

وبالرغم من تشابه الأسماء بين فوكو ياما الأميركاني وهاتو ياما الياباني، فليس هناك أي تشابه بينهما لا في الأفكار ولا في السياسات..«فوكو ياما» الياباني الذي ألتحق بأميركا كأميركاني وبشر بنهاية التاريخ بانتصار الرأسمالية الليبرالية في العالم ذات يوم قبل أن يرتد إليه بصره ويتراجع، يختلف كثيرا عن «هاتوياما» الياباني الذي قرر فك التحاق اليابان بأميركا كوطني ياباني ومد بصره عبر اليابان إلى الشرق لا إلى الغرب، وأثبت بنجاح برنامجه غير الرأسمالي وغير الليبرالي في كسب تأييد اليابانيين الساحق في بلد تكلس بالنظام الرأسمالي وتجمد تحت حكم الحزب الليبرالي خطأ هذه الرؤية الميتافيزيقية الأميركية ولو بثياب يابانية!

mamdoh77t@hotmail.com