التشكيلة الوزارية التي رفعها رئيس الحكومة المكلف، إلى الرئيس اللبناني؛ أثارت ردود فعل مختلفة، بين قابل ورافض. مصيرها، حتى اللحظة، معلق بانتظار موقف رئيس الجمهورية منها؛ في ضوء الاتصالات التي يجريها بشأنها. لكن يبدو أن هناك أزمة تأليف. بالمعايير اللبنانية، مثل هذه الأزمة مفهومة. خاصة في الظروف الراهنة وخلفياتها المعروفة.

وعلى كل حال ليست المرة الأولى التي يتأزم فيها موضوع تركيب الحكومة. السوابق، التي شطحت فيها هذه العملية لعدة أشهر، كثيرة. المهم ألا يختلف الأمر هذه المرة وتكون ولادة الحكومة مسألة وقت، لا أكثر؛ بحيث يتجنّب لبنان الوقوع في أزمة سياسية ـ وطنية جديدة. فالبلد، في ظروفه الراهنة وخلفياتها المعروفة؛ لا يقوى على احتمالها.

تقديم لائحة الأسماء والحقائب، جاء بعد شهرين ونصف من التكليف. مدة طويلة استغرقتها المشاورات والاتصالات، حول الحصص والتوزيعات. التركيبة التي رست عليها، لاقت اعتراض فريق من القوى المعنية بها.

وقد هدّد بالانسحاب منها، لو حصل إقرارها وصدرت مراسيمها. الخطاب، تبعاً لذلك، ارتفعت نبرته، بين تلويح وتحذير ودعم. لكنه بقي ضمن الحدود العادية والمتوقعة. وإذا احتفظ بهذه الحدود، ربما يكون لطرح التشكيلة فائدة. على الأقل هي حرّكت الوضع وأخرجته من حالة الجمود والمراوحة الغارق فيها منذ أكثر من سبعين يوماً.

فالمشاورات تدور، كل هذه الفترة، في شبه دوّامة مغلقة. قد يكون من شأنها الآن أن تتجدّد، وبما يؤدي إلى تفعيل الحوار والتواصل بين أطراف الطيف السياسي اللبناني.

وربما بأفق جديد وزخم أعلى. فالاستحقاق الحكومي، لا بدّ منه في آخر المطاف. صحيح هناك تعقيدات وصعوبات ليس من السهل التوفيق بينها. لكن الصحيح أيضاً أن مقتضيات المصلحة الوطنية العليا، تفرض مدّ الجسور والملاقاة عند منتصف الطريق. لاسيما وأن المرحلة دقيقة والتأليف يواجه نوعاً من المأزق. تجاوزه يقضي بتغليب روح التسوية. المدخل، لا يكون سوى في الانفتاح والتجاوب المتبادل. البديل أفق مسدود، يغرق الجميع في ظلمته.

وفي ضوء الماضي القريب، مثل هكذا عقدة قد تؤدّي، إذا تفاقمت، إلى تفجير الموقف. في أقله تفجير سياسي، في ظلّ غياب حكومة. وصفة لتسخين السجال السياسي والعودة إلى لغة التراشق.

سياق محكوم برفع منسوب التوتر والاحتقان. والباقي، معروف. وقد جرّبه المأمول، الآن، أن تبقى عملية الشدّ والجذب ضمن حدود اللعبة؛ التي يتحقق عبرها التوافق الوطني المنشود. مغادرتها لا تخلو من مجازفة مفتوحة على تحويل أزمة حكومة إلى أزمة حكم. الدخول في دهاليز هذه الأخيرة، ينقل لبنان إلى ساحة اختبر وعورتها وكلفتها. وليس من الإنصاف بشيء، إعادته إليها.