(البروج المشيّدة) كتاب للمؤلِّف الأمريكي "لورنس رايت" يقع في (٥٣١) صفحة مع فهرست الشخصيات والمراجع ، وقيمته أنه أول كتاب يطرح فكر واستراتيجيات ومراكز التجنيد والدعم لطالبان والقاعدة ، وقد أمضى المؤلف خمس سنوات وهو يتابع ويقابل ويفحص الوثائق والمعلومات مسافراً لكل مكان حتى يعرف كيفية الوصول إلى معلومة جديدة يضيفها لأرشيفه، ومؤلَّفه المهم جداً..
روعة الكتاب ليست فقط في تسلسل أحداثه، وإنما بدقته وموضوعيته ومن النادر أن تجد في حروب الإرهاب مع دول العالم كتاباً يقوم بتأليفه فرد بهذه الشمولية وبدون مبالغة فهو المؤلف الذي تجدك مأسوراً أمامه وكأنك في سباق تتابع، فقد رسم لوحات عديدةٍ دمويةٍ لقيادات وخاصة أيمن الظواهري الذي حمل عقدة تعذيبه في سجون مصر ومتاهة الترحال الطويل في المخابئ ، ودخول المدن بجوازات مزيفة، وكذلك أسامة بن لادن الذي اتجه إلى ذات الأسلوب والقناعة، وقد صوّر المؤلف حالات الصرف الباذخ لابن لادن وحالات الإفلاس، ونجاة الاثنين من العديد من محاولات القتل وتجييرها بأن الله حاميهما.
وكيف يرسمان الخطط، وانتقاء كفاءات عالية في التنظيم والتدريب وتنفيذ العمليات الخطيرة، حتى إن المعركة الأهم بين القاعدة والمخابرات الأمريكية تعتبر الحدث الرئيس في دورة الصراع، وقد كانت خيبات تلك الأجهزة لا تعود لعدم كفاءتها وإنما للبيروقراطية التي سادت طرفيْ العلاقة بين مكتب التحقيقات الفدرالي ، وبين الاستخبارات مما جعل حجب المعلومات بينهما أو إهمالها واحتقار شخصياتها في كبرياء زائفة، هو الذي فوّت عليهما القدرة على كشف عناصر كانت تحت نظرهما وخاصة من نفذوا أحداث ١١ سبتمبر، كما يروي المؤلِّف..
الفارق العلمي والثقافي ، والقدرة على المتابعة ثم الصياغة الرائعة، هي أنك لا تجد في المكتبة العربية والإسلامية من يجعلك بهذا الثراء من المعلومات والتصوير الدقيق للشخصيات والأدوار، وكيف تم حشد عقول هي أكثر وعياً من تلك القيادات وبمؤهلات على درجة عالية من الاختصاص، وعناصر لم تخرج من قاع المدينة يدفعها فقرها في أحياء الصفيح ، أو المهمشين في أوطانهم، بل كان من ينتمون لهذا التنظيم إما من طبقات برجوازية متوسطة حصلوا على تعليم متقدم، أو من عائلات ميسورة الحال لكنها ليست معدمة أو فقيرة، والبراعة ليست فقط في جمع هذه العناصر وإنما في ربطها ببعضها، مع أن هناك حالات إحباط وتشرذم، وحتى صراعات دموية حدثت في بنية التنظيم في عدة أوقات، وخلافات داخل أسرهم الكبيرة..
قيمة الكتاب أنه مرجع أساسي لكل من يتعاطى مع أمن المعلومات ومتابعة خلايا الإرهاب ، وكيف يفكرون وما هي دواعي حالات الانتحار، وبمعنى أشمل فإن مثل هذا المؤلَّف ضرورة أساسية لدارس العلوم الأمنية والاستراتيجية، ومن لديه هموم في قراءة الأحداث السياسية وخاصة معارك الدول مع بعضها وحجب المعلومات ، أو التنافس على احتكار التحقيقات والتستر عليها ويحتاج إلى قراءة متعمقة لصانع القرار والمخطط للمواجهة مع قوى الإرهابيين ..
وفي اعتقادي أن حيازته ضرورية للسفارات وكليات الأمن ومراكز البحث الجنائي والجامعات، والقيمة هنا أن المؤلِّف استطاع أن يهزم عواطفه ويقابل المواقف مع بعضها بدقة وحيادية نادرتين، ولهذا السبب أننا في ظروف لا تزال تعمق الهوة بين الإرهابيين وقياداتهم، وبين ملاحقتهم وقراءة أفكارهم وسلوكياتهم، فإننا أمام زخم من المعلومات لم توفره لأي قارئ متابع مراكز بحثنا ومعلوماتنا بمثل هذا الاستقصاء والدقة..
