هل صحيح ما يشيعه نتنياهو من تفاؤل بشأن اتفاق مع أميركا بشأن مسألة المستوطنات وفتح أبواب التطبيع العربي مع إسرائيل؟! وهل ما تروجه وسائل الإعلام الصهيونية عن هذا الاتفاق صحيح، وأن أوباما أصبح مرنا إزاء المواقف الإسرائيلية، وأنه نزل من فوق الشجرة بمطالبه لإسرائيل عن وقف المستوطنات، وانتقل إلى مطالبة العرب بالتطبيع مقابل التجميد الإسرائيلي المؤقت للاستيطان؟!
فالصحيح، أننا نعرف حقيقة الانحياز الأميركي لإسرائيل عبر الإدارات المختلفة، على حساب الحقوق الفلسطينية والعربية، بالمخالفة السافرة لقرارات الشرعية الدولية، والمجافاة الكاملة لمبادرة الشرعية العربية، والانقلابات الفاضحة على نتائج الديمقراطية الفلسطينية، والممالأة المؤسفة لانتهاكات الاحتلال الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، برغم الكلام البليغ عن الديمقراطية وحقوق الإنسان! والصحيح أيضا أننا نعرف حقيقة ما أكده الرئيس الديمقراطي الأسبق جيمي كارتر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، من أنه ليس بمقدور أي رئيس أو مسؤول أميركي في موقع السلطة أن يناهض السياسة الإسرائيلية، أو حتى توجيه الانتقاد إلى إسرائيل، وأن مثل ذلك الأمر على حد وصفه يعني «الانتحار السياسي» بسبب الضغط الصهيوني!
بل إننا نعرف أن أميركا هي الحامي لأمن إسرائيل، وأنها العصا الغليظة لإسرائيل ضد من تعتبره تهديدا لأمنها، حتى أن حرب بوش واحتلاله للعراق أو في تهديده العسكري لإيران وسوريا، كانت حرب بالوكالة عن إسرائيل لحماية الاحتلال الصهيوني، وليس لمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل التي ثبت كذبها، وباعتبار هذه الدول العربية والإسلامية تشكل تهديداً لأمن إسرائيل، وليس لأمن أميركا!
لكننا توقعنا خيرا من خطاب أميركي على لسان الرئيس أوباما، بدا مغايرا وأقل انحيازا وعدوانية وأكثر توازنا وعقلانية عما سبقه من خطابات أميركية، خصوصا أنه ولأسباب ذاتية وموضوعية، هو من ألزم نفسه بالعمل على تصحيح أخطاء الماضي وإحلال السلام مع العالم الإسلامي، باعتماد الحوار بدلا من المواجهة، وانتهاج طريق جديد يقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة (لا المنفردة).. وهو الذي ألزم نفسه بإحلال السلام العربي الإسرائيلي الشامل (لا العادل) على كل الجبهات، وبحل ما أسماه «النزاع الفلسطيني الإسرائيلي» إدراكا منه أن القضية الفلسطينية هي جوهر الصراع، على أساس وقف الاستيطان الصهيوني أولا، واستئناف المفاوضات ثانيا، وصولا إلى حل الدولتين الإسرائيلية والفلسطينية ثالثا، باعتباره مصلحة لأميركا أولا، ولإسرائيل ثانيا وللعرب ثالثا.
ولأن الحكمة العربية تقول «لا تقل لي شيئا ولكن دعني أرى»، فقد كان رد العالم العربي والإسلامي هو الترحيب بالأقوال والانتظار ليرى الأفعال، وبقيت مسألة الاستيطان هي الاختبار الأول لمصداقية الإدارة الجديدة، ولاختبار قدرة الرئيس الأميركي على إنفاذ رؤيته في مراكز صنع القرار الأميركي، خصوصا ونحن ندرك حجم التضليل الإعلامي الصهيوني، وحجم الانحياز الأعمى داخل الكونجرس الأميركي للسياسات الصهيونية، على حساب الحقوق العربية.
بل على حساب المبادئ والمصالح الأميركية ذاتها! لكن ما أثار سؤالنا الأول، هو الكلام الصهيوني عن اتفاق بشأن الاستيطان تميل فيه أميركا لإسرائيل بنسبة 80%، وهو ما سوف يغضب العرب وما سيخصم من المصداقية الأميركية النسبة نفسها، إن صح هذا الكلام.. ليبقى سؤالنا الأخير هو، إذا فشل أوباما أمام نتنياهو في الملف الفرعي بوقف الاستيطان ونزل من فوق الشجرة، فكيف نصدق أنه سينجح في الملف الأصلي بإنهاء الاحتلال؟!