لم ينجح مشروع التكامل الأوروبي على ما يبدو حتى الآن بالتخفيف من حدة المشاعر القومية المنتشرة في بعض الدول التي انضمت حديثا إلى الاتحاد الأوروبي، وهو بدا بشكل واضح في أكثر من مكان، لاسيما على الجبهة المجرية ـ السلوفاكية.
فهذه الجبهة المشتعلة دائما في ما يخص المشاعر القومية المتشددة أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن رماد الخلافات المشتعل منذ أوقات زمنية غابرة لا يزال حارا بالفعل، وقد يتحول إلى لهيب حارق في أي وقت إذا لم يتم اللجوء إلى حلول جذرية ومنطقية تتشابك في المحصلة النهائية مع المبادئ الأساسية التي قام عليها مشروع التكامل الأوروبي أصلا، والمتمثلة في السعي لدمج الشعوب الجديدة في شبكة الخيارات الديمقراطية التي ترعرع عليها الغرب وكانت مصدرا هاما لنموه.
ما يبدو حتى الآن هو أن الأطراف المتورطة في تلك الخلافات تحاول الاستفادة من المناخ الديمقراطي القائم لكي تمارس «سيادتها» المطلقة، متناسية في بعض الأحيان ما قد تتسبب به هذه الممارسة من زيادة في التوترات القومية التي سيكون لها حتما تأثيرات سلبية للغاية على مسألة التعايش المشترك ضمن دائرة الحدود المفتوحة التي تطبّقها أوروبا الديمقراطية حاليا. ولعل ما جرى مؤخرا بين المجر وسلوفاكيا هو أكبر دليل على ذلك، حيث إن الطرفين بالغا بشكل فظ بممارسة الحق السيادي وفق تصور خاص لكلاهما، ما أدّى للنزاع الدبلوماسي الذي لاحظناه والذي قد يتطور لاحقا إلى أكثر من ذلك إذا لم ينكفئ الطرفان إلى تكتيكات أفضل تأخذ بعين الاعتبار الجو الديمقراطي العام في المنطقة الأوروبية بأكملها. ما أقصده في هذا السياق هو أن العنف الشعبي والكراهية التي قد تتولّد جرّاء الممارسة الدبلوماسية الخاطئة، ستؤثر على الجو الأمني والسلمي العام الذي تنعم به هذه المنطقة من العالم، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار النسبة الكبيرة من الأقليات القومية لكلا الطرفين التي تعيش في مناطق متداخلة، بالإضافة لسلسلة الأحداث الخطيرة التي جرت ضمن هذا السياق وسالت فيها دماء كثيرة.
ولا شك أن التجربة السلوفاكية ـ المجرية هي كافية لتثبت جدية ما أحاول الإشارة إليه. فنسبة الكراهية التي بدأت تتفشى بين بعض الدوائر القومية المتشددة في كلا البلدين أصبحت على درجة كبيرة من الخطورة، وبات من الضروري بدء التفكير في طريقة للجم الجموح الدبلوماسي القومي الذي شاهدناه مؤخرا، وإعادته إلى سكّة أخرى يكون الهدف فيها قمع المشاعر المتطرفة بالدرجة الرئيسية.
لماذا الحديث عن هذا الأمر في هذا الوقت بالتحديد؟ ذلك لأن ظاهرة العنف القومي قد أصبحت ظاهرة ملازمة في مجتمعات الدول التي تمت الإشارة إليها، وباتت تتمدد للأسف إلى أقليات أخرى لا علاقة لها بالتفاصيل التاريخية والجغرافية المتنازع عليها منذ زمن بعيد. وهذا يعني بأنها قد تتمدد في المستقبل إلى فروع أخرى لتنسجم مع ممارسات عنصرية محتملة، تستهدف على وجه الخصوص كل ما هو مكروه من قبل هذه المجموعات كأقليات غجرية ويهودية وعربية وأجنبية..ألخ. وهذا أمر محتمل عن حق، لأن التيارات السياسية المحرّكة للنزاع القومي، والتي تنطلق عادة من الحس الوطني الشوفيني المتعصب، تعتمد في الغالب على مسألة بث الخوف في نفوس الشعب من أجل تعبئته وتجييشه ضد كل ما قد يهدد وجود الوطن. ويبدو بأن تلك القوى قد توافقت على أن الأقليات المذكورة أعلاه ستكون في مرحلة من المراحل مصدر القلق على مصير الوطن.
في الحالة السلوفاكية ـ المجرية، تنطلق الحركات السياسية من البعد الوطني والقومي لتتمدد من خلاله إلى التفرعات الداخلية القريبة من الكره العنصري أو ظاهرة الخوف من الأجنبي (كزينوفوبيا) كما يحلو للبعض أن يدّعي. مثال على ذلك هو انخراط السلوفاكيين والمجريين في نزاع قومي شديد منذ زمن بعيد وصل قبل بضعة أسابيع إلى حد منع الرئيس المجري من زيارة منطقة سلوفاكية تعيش فيها أقلية مجرية كبيرة، وتبادل التهديدات بين بعض القوى اليمينية المتطرفة على كلا الجبهتين، وتعرض السفارة السلوفاكية لهجمات بقنابل المولوتوف، وقيام سلوفاكيا بسنّ قانون جديد يفرض على الأقلية المجرية تعلم اللغة السلوفاكية، وغير ذلك من الأمور.
لكن مقابل ذلك، رأينا بأن الحركات القومية نفسها كانت تتوحد وتتقاطع مصالحها خلال مجابهتها للأقليات الغجرية المنتشرة بكثافة في البلدين وبعض الدول المجاورة، وهو ما تبين من خلال سلسلة من الهجمات العنصرية الدموية التي جرت مؤخرا وعكست صورة مرعبة عن حقيقة ما قد تصل إليه الأمور إذا سمحت الدوائر السياسية لها بتعدي الحدود المرسومة حاليا. وليست الترتيبات التنظيمية التي نراها بأم العين بين وقت وآخر بهدف تأسيس المجموعات الردعية غير المسلّحة لمواجهة الغجر وغيرهم، سوى مؤشر بارز على نسبة الخطورة التي وصلت إليها الأمور، في ظل ما نراه من انطلاق لورشة تنظيم أداء الحركات القومية المتشددة في أماكن أخرى من أوروبا، حيث تمكن بعضها من الوصول إلى البرلمان المحلي والأوروبي.
انطلاقا من كل هذا، لا أستبعد أن تتوحد تلك القوى، بغض النظر عن الخلافات الكثيرة القائمة بينها، وراء شعارات وأهداف خطيرة تنطلق من نظرتها في كيفية مواجهة الخطر الذي تمثله الأقليات «الدخيلة» على مجتمعاتها. وقد يكون الانطلاق المرحلي متمحورا كالعادة حول الأقليات التي تعيش هنا منذ قرون طويلة مثل اليهود والغجر، لكن الهدف الاستراتيجي سيتمدد حتما باتجاه زالخطرس الذي سيجسده حسب رأيها تنامي هجرة الشعوب الإسلامية إلى أوروبا، وهو ما بدأنا نراه بوضوح في البرامج الفكرية لتلك القوى القومية المتشددة.
ما يدعو للقلق حتما، هو أن هذه الشعارات والأهداف باتت تتسلل حتى إلى برامج بعض الأحزاب السياسية «الديمقراطية» العادية.
