الحوثية ومشكلة إقليم صعدة اليمني هي مثل آخر على فشل النظام الرسمي العربي المحلي والإقليمي في التعاطي مع الأوضاع المحلية، والتوصل إلى حل ناجع مناسب. حدثت وتحدث مثيلات هذه القضية في عدة أقاليم ولأقليات في مختلف الأقطار العربية. النظام الرسمي العربي هش يسهل كسره أو اختراقه مع صمود حركة تمرد فيه لأسابيع أو أشهر معدودة. ما على ذلك التمرد إلا أن يصمد قليلاً. بعدها تبدأ القوى المحلية، من حكومية وأهلية، وإقليمية ودولية تتوارد إلى المكان للإدلاء بدلو كل منها في المعضلة بشكل يساهم في إذكاء وتأجيج الحدة.
بدأت قضية التمرد الحوثي بمجموعة صغيرة ناقمة على منهجية الحكم بقيادة أحد رجال الدين من الطائفة الزيدية. الطائفة الزيدية تتوسّط في اتجاهها المذهبي بين الفكر السني والشيعي. وقوع محافظة صعدة على الحدود الإقليمية بين العربية السعودية واليمن يزيد في قابليتها لأن تصبح إقليمية بسرعة قياسية. يعود ذلك لما للسعودية من موقع ديمغرافي وديني متميز في العالمين العربي والإسلامي.
احتساب أو اتهام حركة التمرد الحوثي بتلقيها دعماً مادياً ومعنوياً وسياسياً وإعلامياً من الدولة الإسلامية الشيعية في إيران يكسب القضية بعداً إسلامياً بل مذهبياً أوسع. الزيديون عموماً، والحوثيون خصوصاً، الآن محسوبون رسمياً وشعبياً على الفكر الشيعي، شاء من شاء منهم أو أبى من أبى. الحوثية في حساب الإيمان المذهبي باتت مثل مزار سياسي وإعلامي للقوى المذهبية الراغبة أو المدعوة أو المحفزة للتدخل في القضية، سلباً أم إيجاباً.
أدت الحرب بين الحوثيين والحكومة المركزية إلى دخول القضية المرحلة النهائية من النضج باتجاه التدويل. الجيش اليمني يقوم بالتعامل مع محافظة صعدة على أساس عسكري وتحويلها إلى ساحة حرب. يبدو الوضع مثل أن ذلك الإقليم قد أفلت وأهله من قبضة النظام المركزي. بدأ ينأى بنفسه عن الدولة في محاولة للانفصال أو فرض شروط خاصة به تأتي على اختصاص وهيبة الحكومة المركزية. الرسالة الحوثية تقول أن الحوثيين مع الاستمرار في كنف الدولة بشروط تختص بالمذهب والمنهجية السياسية. عدا ذلك فالإقليم قابل للانفصال نهائياً، أو تكوين حكم ذاتي معترَف أو غير معترَف به. باتت هنالك دعوة واضحة لمختلف القوى المحلية والإقليمية لإعلان موقف محدد واضح من القضية. وفعلاً حدث ذلك فلقد انقسم الرأي العام المحلي والعربي بين متعاطف ومعارض للفكر الحوثي المذهبي والتحرك السياسي.
تؤدي حركات الكر والفر بين الجيش اليمني وقوات التمرد الحوثي إلى استقطاب الرأي العام الدولي، لصالح الفئة الحوثية أو السلطة المركزية. بات هنالك تسابق بين الطرفين للاستحواذ على أكبر قدر ممكن من الدعم الدولي. الحكومة تفعل ذلك عبر الوسائل التقليدية من بعثات دبلوماسية وقنوات إعلامية لها. الحوثيون من جانبهم بدءوا يفتتحون مكاتب ويبعثون مندوبين وإرساليات لهم إلى مختلف العواصم العالمية خاصة الغربية المتربصة بالعالمين العربي والإسلامي. السلطة المركزية حقيقةً في وضع لا تُحسد عليه بسبب إخفاق الجيش اليمني في تحقيق حسم عسكري نهائي في فترة قياسية قصيرة، حسب وعود الحكومة وبالذات رئيس الدولة.
اكتسبت الصورة الإعلامية القادمة من أرض المعارك بعداً خاصاً بعد ظهور مجموعات متمردة تحمل شعارات ثورية إسلامية، وبالذات تحاكي تلك الإيرانية المعهودة. شعارات من مثل «الموت لأميركا ولإسرائيل» يضيف نكهة خاصة في محاولة التدويل، الحقيقية أو المفبركة!. السلطة المركزية تقول للعالم ها هي حقيقة التمرد وعلاقته بالجمهورية الإسلامية في إيران، التي أي الأخيرة تواجه عزلة دولية غربية متزايدة. الحوثيون من جانبهم يودون إيصال رسالة إلى العالمين العربي والإسلامي، القابلين للانقسام بسهولة، بشأن حقيقة الوضع في صعدة. بذلك يحاولون الحصول على تعاطف ممكن هم بأمس الحاجة إليه.
الإعلان عن أعداد متزايدة من ضحايا النزاع من المدنيين، من قتلى وجرحى ونازحين، يستدعي حضور فئات دولية. هذه تبدأ كالعادة بهيئات الصليب الأحمر وجمعيات حقوق الإنسان ومندوبين دوليين ولجان تقصّي الحقائق. ذلك قبل بدء الحضور السياسي الدولي للقوى الفاعلة في المنطقة والعالم؛ دول مثل السعودية وإيران والولايات المتحدة وإسرائيل وأية دول أخرى. بشكل عام هذه المجموعات الإقليمية والدولية لا تتدخل في الأوضاع تكريماً لسواد عيون طرف بحد ذاته. هنالك فاتورة استحقاقات على الدولة والشعب اليمنيين دفعها الآن ومستقبلاً. فاتورة باهظة الثمن قد تُدفع من حساب الحالة الديمغرافية والإستراتيجية الفريدة من نوعها لليمن.
استطراداً في القول فإنه مثله مثل بقية الأقطار العربية الأخرى، فاليمن موقع يمكن الاستثمار فيه سياسياً وإعلامياً وعقائدياً وبشرياً. يعود ذلك إلى حالة الفراغ التي تقع فيها هذه الأقطار في معالجة مشاكلها الداخلية بالطرق السلمية والسليمة البعيدة عن استقطاب القوى المحلية والإقليمية والدولية. يواجه اليمن بالذات مستقبلاً غامضاً مع تفاقم الأزمات الداخلية خاصة تلك التي تخص محاولة بعض القيادات الجنوبية لملمة قواها السابقة. يتبع ذلك القيام بحركات مناوئة للحكم المركزي قابلة لأن تتطور باتجاه إحياء فكرة قيام دولة مستقلة في الجنوب. وقوع الجيش اليمني في حالة استنزاف لحل مشكلة صغيرة نسبياً في صعدة يجعله أقل أهلية لحل مشكلة كبيرة نسبياً مع الجنوب إذا ما تم تطوير الأوضاع باتجاه الأسوأ.
أولى ضحايا إعلان الحرب على فئة سياسية هو الحل السياسي السلمي. كان يجب استنفاد كل الوسائل والحلول لتجنب صدام عسكري حربي نتائجه مفتوحة على كافة الاحتمالات. قرار الرئاسة اليمنية المبكر باللجوء إلى زالعلاج بالكيس قد يبدو في غير محله. القوى المحلية اليمنية منقسمة على أنفسها أكثر من أي وقت مضى ما يهدد بزيادة وتعميق حالة التشظي والفرقة في الجبهة الداخلية اليمنية. القوى الإقليمية إذا ما استدعيت للتدخل في الوضع القابل للتطور نحو الأسوأ ستزيد الأمور تعقيداً، سياسياً ومذهبياً واقتصادياً مادياً مالياً. أخيراً وليس آخر فتدويل قضية عربية يؤدي حتماً إلى ما لا تُحمد عقباه. الدول الغربية وإسرائيل وحتى بعض القوى الإقليمية الأخرى سوف لا تبالي في جعل المشكلة تستمر مع استنزاف الإمكانيات وحتى إشعار آخر.