الانتصار السياسي التاريخي الذي حققه الحزب الديمقراطي بزعامة يوكيو هاتوياما في الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 30 أغسطس الماضي، والذي أطاح به الحزب الليبرالي الديمقراطي ومعه نظام سياسي حكم اليابان منذ العام 1955، أثار نقاش من جديد حول موقع اليابان في العالم، وعلاقتها مع الولايات المتحدة الأميركية، ومع جارتها الصين القوة الاقتصادية والمالية والإستراتيجية الصاعدة ذات التوجه النووي، رغم أن السياسة الخارجية اليابانية لم تلعب دورا مؤثرا في الانتخابات الأخيرة.

البديل الجديد للحكم في اليابان المتمثل بيسار الوسط بات يدرك ضرورة رهن كل تحالفات اليابان بالولايات المتحدة الأميركية، بل توسيع الآفاق، والبحث عن تفاهمات استراتيجية. فخلال العقود الخمسة من حكم الليبراليين المحافظين، شكلت العلاقات الوثيقة مع الولايات المتحدة الأميركية الركيزة الأساسية للسياسة الخارجية لليابان، حيث لا يزال يتمركز 50ألف جندي أميركي.

فعقب استسلام اليابان بعد شهور من القصف الشامل، وبعد قصف مدينتي ناكازاني وهيروشيما بقنبلتين نوويتين في أغسطس 1945، وقعت الولايات المتحدة الأميركية مع السلطات اليابانية الجديدة اتفاقية عام 1951، عرفت ب«عقيدة يوشيدا»، وقامت على مبدأين، سلمية ومثالية الدستور الذي اعتمدته اليابان عام 1947، والاعتماد أمنيا على الولايات المتحدة.

ويبدو أن الحزب الديمقراطي ذو التوجهات اليسارية وحديث النشأة، حيث تأسس عام 1998،و الذي لا يمتلك تجربة في ممارسة السلطة، بدأ التفكير في إيجاد توازن في العلاقات السياسية الخارجية اليابانية،التي ظلت مرتهنة للاتفاقيات التاريخية الموقعة مع واشنطن.فقد ذهب الحزب أيضا إلى إعلان عزمه على البحث في إنهاء دور البحرية اليابانية في تزويد السفن الحربية الأميركية وتلك التابعة لقوات الحلف الأطلسي، الوقود، في المحيط الهندي، إضافة إلى مراجعة قواعد الانتشار الأميركي في اليابان.وهذا الموقف الجديد للحزب يعكس لنا الخلاف بين الجناح اليميني للحزب المدافع عن ممارسة حق الدفاع المشترك مع الولايات المتحدة، وبين الجناح اليساري الذي يرفض إرسال قوات يابانية إلى الخارج.

وقد كتب زعيم الحزب، هاتوياما، (الذي سيصبح رئيساً للوزراء عندما يصادق البرلمان الياباني على تعيينه في 16 سبتمبر الجاري)، في مقال رأي نشر في «النيويورك تايمز» يوم 27 أغسطس الماضي،أن التحالف الأميركي الياباني «سيبقى حجر الزاوية في الدبلوماسية اليابانية»، ولكن «في الوقت عينه، يجب ألا ننسى هويتنا دولة في آسيا».

منذ نهاية الحرب الباردة، وبعد إخفاق القوة العظمى المفرطة القوة،الولايات المتحدة الأميركية زعيمة النظام الدولي الأحادي القطبية، في حكم العالم وإدارة أزماته،حيث بدأت تتلاشى أوهام النزعة «الانتصارية» للإمبراطورية الأميركية في عقول اليابانيين، من جراء التورط الأميركي في المستنقعين العراقي والأفغاني، بدأ يتبلور في اليابان خيار في السياسة الخارجية اليابانية يقوم على التوجه نحو بناء«شراكة استراتيجية» مع أوروبا، وإقامة علاقات وطيدة مع القوى الإقليمية الصاعدة في آسيا.

ويترافق البديل الأول للسلطة مع اليابان مع تغير في المناخ الدولي، ولاسيما في ظل انتقال مركز جاذبية الاقتصاد العالمي نحو آسيا، بينما اليابان هي بصدد الآن خسارة مرتبتها الثانية كقوة اقتصادية لمصلحة الصين. إنه تجاوز رمزي، لكنه معبر في ظل احتدام التنافس بين القوى الإقليمية العظمى: الصين والهند واليابان، على السيطرة في آسيا.

إن اليابان التي تنظر بقلق شديد لتنامي القوة العسكرية الصينية التي تسعى إلى لعب دور ريادي في محيطها الآسيوي من خلال استغلال قوتها الاقتصادية الصاعدة، و«للتهديد»، الذي تشكله كوريا الشمالية بتجاربها النووية وإطلاق صواريخها، تجعل سياسات الحزب الديمقراطي غير متشجعة على لعب ورقة مناهضة الولايات المتحدة الأميركية، ولاسيما في ظل انتهاج إدارة أوباما سياسة خارجية تقوم على التوجه نحو بناء عالم خالي من الأسلحة النووية، وهو ما يثير تساؤلات حول «المظلة النووية» الأميركية، التي تشكل العمود الفقري للأمن القومي الياباني.

كاتب تونسي