إلغاء المبعوث ميتشل لزيارته التي كانت مقررة إلى إسرائيل، يوم الخميس القادم، كتعبير احتجاجي؛ لا يتناسب مع التحدّي الاستيطاني الإسرائيلي. أخذت واشنطن هذا القرار، حسب الصحافة الإسرائيلية، كردّ على إصرار نتانياهو إعطاء موافقته، المتوقعة خلال الساعات القليلة القادمة، على بناء مئات الوحدات السكنية والمباني العامة؛ في مستوطنات الضفة الغربية. خطوة أقل بكثير من الحد الأدنى، للموقف المناسب.

الاستباحة الإسرائيلية خطيرة، بما تنطوي عليه من تجاوز عدواني فاقع. وكأن واشنطن تقول بذلك، أنها لا تملك من الردود إلاّ بهذه الحدود. وهو ردّ لا يمنع إسرائيل من المضي بمخططاتها التوسعية وترسيخ وقائعه على الأرض. إلغاء الزيارة، أقرب إلى العتب الخجول. لا يقدّم ولا يؤخر، في الأمر. سبق لواشنطن أن لجأت إلى مثل هذا الأسلوب، بشأن الاستيطان. اكتفت دوماً بتكرار عبارات جوفاء، مثل أن بناء المزيد من المستوطنات والوحدات السكنية، من شأنه «عرقلة عملية السلام» وأنه «لا يساعد على تحقيق السلام».

كانت النتيجة، أن إسرائيل بقيت تزيد من مساحات الإسمنت فوق الأراضي الفلسطينية، بعد مصادرتها لصالح قطعان المستوطنين، اليوم بات عددهم يربو على ثلاثمائة ألف. والآن تتذرع حكومة نتانياهو، كما تذرعت سابقاتها، بأن دواعي «النمو الطبيعي» للمستوطنات تستدعي بناء وحدات سكنية جديدة. تمدّد خبيث، بتحايل مفضوح. 40% من المساكن المبنية في مستوطنات الضفة، ما زالت فارغة، حسب مركز الإحصاء الفلسطيني في القدس. التذرع بالحاجة إلى المزيد، كذبة إسرائيلية مكشوفة.

علماً بأن الذريعة باطلة أصلاً، بقدر ما المستوطنات القائمة على اغتصاب وسرقة الأرض؛ باطلة، في الأساس. هذا الأمر الواقع الفاقد الشرعية، حوّلته إسرائيل إلى بند من بنود المفاوضات. الإدارات الأميركية المتعاقبة، طالما دأبت على القول بأن موضوع المستوطنات يتمّ التوافق حوله على طاولة المفاوضات. اللا مشروع صار موضوع تفاوض. تغاضي واشنطن المستمر، وفّر لإسرائيل التغطية اللازمة، في هذا الخصوص. والآن يتكرر هذا التغاضي ولو مع شيء من عدم الارتياح من سلوك حكومة نتانياهو.

أن تبدي إدارة الرئيس أوباما، تأففها وضيقها واحتجاجها من التوسع الاستيطاني؛ فهذا مرغوب ومطلوب. لكن يبقى بلا أهمية إذا توقف عند هذه الحدود من دون أن يأخذ ترجمته في مواقف وسياسات رادعة وكابحة للانفلات الإسرائيلي. ليس بوسع نتانياهو أن يواصل عناده وتحدّيه لأميركا وأوروبا بحيث لا يقبل سوى «إبطاء» ـ وليس تجميداً ـ مؤقتاً للاستيطان وتحت شروط تعجيزية؛ لو كانت هذه الأطراف جادة في اعتراضها. كذلك فليس من المعقول أن هذه الجهات غير قادرة أن تكون جادة في مواجهة سياسة الاستيطان؛ لو هي أرادت.