تؤكد المعلومات الموثوقة ان إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تعتزم خلال الأسابيع القادمة ان تطرح مبادرة جادة جديدة لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي.

وكما نعرف، فإن عديدا من الرؤساء الأميركيين قبل أوباما حاولوا بشكل أو بآخر حل هذا الصراع المعقد، لكن جهودهم جميعا باءت بالفشل.

لكن الوضع مختلف بالنسبة إلى أوباما. فهو يعتبر اليوم ليس فقط ابنا لأميركا وانما ابن للعالم كله.

لأول مرة في التاريخ الغربي، يصل إلى البيت الابيض رئيس هو مثقف بارز وصاحب عقلية منفتحة على العالم.

نشأة أوباما المتواضعة، وتعليمه وثقافته، وعيشه في أنحاء مختلفة من العالم منذ طفولته، كل هذا جعله أهلا لما عرف عنه من نزاهة وشرف وحياد.

ولهذا، فحين يأخذ أوباما على عاتقه مهمة السعي لحل الصراع العربي الاسرائيلي، فإن كل الاطراف المعنية بالمأساة الفلسطينية يجب ان تشارك بشكل جاد ومخلص في جهود تحويل هذا الحلم الى حقيقة.

ذلك ان الطريق إلى تحقيق سلام دائم يتطلب الالتزام الكامل من كل الاطراف، العرب والفلسطينيين والاسرائيليين، والمجتمع الدولي بأسره. الكل يجب ان يدعم هذه الجهود النبيلة.

ومن وجهة النظر العربية، فإننا رحبنا بوصول أوباما إلى البيت الابيض. ورحبنا بصفة خاصة وبشكل صادق ومخلص بإصراره على الوصول إلى حل لهذا الصراع المعقد والصعب.

وبداية وقبل كل شيء، ينبغي تأكيد ان أي خطة أو مبادرة للتسوية يتم طرحها يجب ان تكون واضحة ومحددة المعالم، ويجب ان يكون هناك حزم في التطبيق وفي الزام الأطراف المعنية بها.

بصفة خاصة، يجب ان يفهم الإسرائيليون ان رفض الخطة أو عرقلة تطبيقها، سوف لن يكون له من نتيجة الا اشاعة عدم الاستقرار والدمار في منطقة الشرق الأوسط بأسرها. ليس هذا فحسب، وانما سوف يهدد المصالح الحيوية للعالم الحر.

بعبارة أخرى، فإن الاسرائيليين يجب ان يتحلوا بحسن النية وان يفهموا ان الوضع الحالي هو وضع ظالم ولا يمكن ان يستمر.

نقول هذا لأنه حتى الآن، فإن الاسرائيليين، ومعتمدين على تفوقهم العسكري، لم يقدموا على أي خطوة ايجابية لها معنى، وبدلا من ذلك يواصلون سياستهم الاستيطانية والاستيلاء على مزيد من الأراضي الفلسطينية يوما بعد يوم.

أما بالنسبة إلى العرب والفلسطينيين، فإننا لا نعرف بالضبط تفاصيل الخطة التي يعتزم الرئيس اوباما طرحها، وما هي الاقتراحات الجديدة التي سوف يقدمها. لكن الأمر المؤكد ان كل الخطط السابقة، من مدريد الى اوسلو، الى خريطة الطريق، يجب الا تكون مرجعية لخطة السلام الجديدة، فقد فشلت كل هذه الخطط.

ان أي حل حقيقي يتم طرحه للصراع، ينبغي ان يكون مبنيا على الاعتبارات الانسانية العادلة، وعلى المنطق والعملية، وبغض النظر عن النفوذ الخفي الذي يمارسه اللوبي الصهيوني.

وفي الوقت نفسه، فإن العرب يجب ان يهيئوا انفسهم نفسيا وأخلاقيا بالتحلي بالحكمة والوعي السليم، وذلك كي لا يهدروا هذه الفرصة التاريخية المتاحة. فلا ينبغي ان يغيب عن بالنا حقيقة هامة هي ان أوباما على معرفة ووعي كاملين بأبعاد الصراع، ومن دون الاعتماد على مستشاريه كما كان الحال في عهد بوش، حيث كان الكثيرون من هؤلاء المستشارين يحاول كل منهم ان يفرض تفسيره الخاص وأجندته الخاصة.

وينبغي على القادة العرب، والدبلوماسيين العرب، وحتى الصحافة العربية، بذل كل ما في الجهد والطاقة من أجل تعزيز الجهود التي تبذلها مختلف الاطراف المعنية، ولتكريس الوعي بالمعاناة الرهيبة للشعب الفلسطيني.

وفي الوقت نفسه، ينبغي التوقف عن إصدار البيانات والتصريحات اللا مسئولة، والتوقف عن توجيه الاتهامات والتهديدات العنترية الفارغة.

لقد عانينا طويلا من الرفض، والحروب، والموت، والدمار. ولا يعني هذا اننا ندعو الى الاستسلام، وانما يجب ان ندرك ان جوهر أي سلام يقوم بالضرورة على الاخذ والعطاء.

إننا نعلم ان الاسرائيليين حتى الآن حصلوا على الكثير جدا، بينما لم يحصل الفلسطينيون على أي شيء. ولعل الاوان قد حان لتغيير هذا الوضع.

وفي كل الاحوال، لا ينبغي ان ننسى ان السلام الذي تم فرضه في عام 1918 اثناء الحرب العالمية الأولى، لم يفعل سوى تمهيد الطريق أمام اندلاع الحرب العالمية الثانية.

أما السلام الذي نتطلع اليه، فإنه السلام الدائم الذي من شأنه ان ينهي كل الحروب.