لم تسلم القوى الاستعمارية بالهزائم التي تلقتها على يد القوى الثورية العربية في مصر وسوريا والعراق والجزائر واليمن، ولأنها كانت تتصور أن جمال عبد الناصر هو عدوها وليس جل الشعب العربي الساعي إلى الحرية والتنمية والوحدة، فكان الرد الاستعماري الصهيوني هو عدوان يونيو عام 67 وتوجيه ضربة عسكرية قاسية لثلاث دول عربية سعيا لإلحاق الهزيمة النهائية بقوى الثورة التحررية العربية.
لكنها لم تستسلم للهزيمة وبدأت في المقاومة استجابة للتحدي، وتفجرت الثورة العربية من جديد في ليبيا والسودان كرد فعل للعدوان الصهيوني ومساندة للثورة المصرية التي بادرت بحرب الاستنزاف التي اكتملت بانتصار عسكري عربي باهر في حرب العاشر من رمضان المجيدة.
فبينما كانت الثورة المصرية قبل العدوان منهمكة في الداخل ببناء التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
و ببناء السد العالي بدعم الاتحاد السوفييتي كسراً للتحدي الأميركي والغربي بوقف تمويل السد،، ومنهمكة في الخارج بمعاركها التحررية ضد الاستعمار والصهيونية، والذي تجلي في العام 1964 حينما استضافت القاهرة ثلاثة مؤتمرات للقمم العربية، والأفريقية، وغير المنحازة، بما يؤكد تصاعد دورها الإقليمي العربي والقاري الإفريقي والعالمي.
خططت القوى الاستعمارية لضرب الثورة المصرية ولوقف تقدم حركة الثورة العربية، ونجحت بهجمات الانجليز من الجنوب ضد الثورة اليمنية ومعارك في الشمال مع أعدائها، في استدراج الجيش المصري إلى اليمن بعيدا عن الجبهة المواجهة لإسرائيل، لتوريطه في حرب استنزاف تؤثر على قوته، تمهيدا للضربة الصهيو أميركية الأكبر، بعد استدراج العرب لحرب لم يحددوا زمانها ولا مكانها.
وبينما كانت جبهة القتال المصرية مع إسرائيل في الشرق، كانت قواعد الاسناد الجوي لحمايتها تقبع في الغرب، على الأرض العربية الليبية في قاعدة «هويلس» الأميركية، وفي قاعدة «العضم» البريطانية، خنجرا في ظهر مصر في حرب يونيو عام 1967 التي انتهت بانتصار عسكري صهيوني باحتلال أراض عربية هي سيناء المصرية والجولان السورية وكل فلسطين!
وبينما بدا ذلك إشارة لغروب شمس حركة التحرر العربي، خرج الشعب المصري والعربي يعلن رفض الهزيمة والإصرار على القتال والتمسك بقيادة عبد الناصر، وتنادي قادة الأمة العربية إلى اللقاء في قمة الخرطوم، التي احتضنتها جماهير الشعب السوداني، لتصدر قراراتها التاريخية بلاءاتها الثلاث، لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض مع العدو الصهيوني، ودعم الصمود وتعزيز المجهود الحربي والإعداد للمعركة القادمة.
بدأت مصر شن حرب الاستنزاف على جبهة قناة السويس إصرارا على استمرار القتال واستعدادا لمعركة التحرير الكبرى في ظل ظروف عسكرية واقتصادية ومعنوية بالغة الصعوبة، بسبب توقف مصادر رئيسية لدخلها القومي، وبسبب تصاعد الدعم الأميركي بالسلاح والطائرات الفانتوم والسكاي هوك لتأكيد تفوق إسرائيل ولإشاعة اليأس في إمكانية الصمود أو القتال أو النصر على جبهة الشرق..
وحينما اشتد الظلام شرقا، جاءت بشارة الفجر غربا بانطلاق الثورة الليبية في الفاتح من سبتمبر عام 1969 بقيادة القائد معمر القذافي لتطرد القواعد العسكرية الاستعمارية الأميركية والبريطانية من الأرض العربية الليبية، ولتطلق اسم القائد العربي «جمال عبد الناصر» والقائد الإسلامي «عقبة بن نافع» على القواعد المحررة، ولتشكل باندفاعها الثوري العروبي والإسلامي أكثر الروافد العربية قوة وحرارة في تعزيز الصمود المصري والعربي وفي صياغة «قومية المعركة» لتحرير أرض العرب من احتلال عدو كل العرب.. ولا تزال المعركة مستمرة.