«أتمنى أن يتوقف المطر اليوم»، قالتها وهي تستنكر حملي للشمسية، حيث وجدتُ أن من الأسلم حملها بعد ليلة لم يتوقف فيها المطر إلا بالهزيع الأخير، لتبقى الغيوم داكنة منذرة بمزيد من المطر.
قلت لها: إن المطر عندنا خير، ولو كنت متبحراً باللغة الإنجليزية بمستوى ترجمة الشعر الجاهلي لترجمت لها ذلك البيت الذي يقول «سقى الله نجداً ومن بأرضها»!! وكنت في قراري حمل الشمسية هذا صائباً، إذ لم تكد السيارة تتحرك قاصدة قلب مدينة بوسطن الأميركية، التي أنا فيها هذه الأيام طلباً للعلاج، إلا وانهمر المطر، وظللنا أنا وأخي نمشى بالمطر والكآبة بادية على وجوه القلة من أهل المدينة والسائحين بها، الذين تجرؤوا بالخروج للشوارع في ذاك اليوم الممطر.
ولم تكن بوسطن كئيبة السبت (التاسع والعشرين من أغسطس) الفائت بسبب المطر فحسب، بل كان ثمة سبب آخر يدعوها للكآبة، حيث نكست الإعلام، علم الولايات المتحدة الأميركية، وعلم ولاية ماستشيوست وذلك بسبب يوم مراسم دفن أحد أبنائها وهو السيناتور تيد كندي، الذي وافاه الأجل المحتوم إثر سرطان في المخ لم يستطع البراء منه.
وآل كندي لهم حظوة ومقام رفيع في هذه الولاية، وفي أكبر مدينة فيها وهي بوسطن، حيث يمثل الأميركيون من أصول أيرلندية ( ومنهم آل كندي ) أبرز عائلاتها القديمة والمتنفذة سياسياً واقتصادياً. ومن المعروف أن الأيرلنديين يدينون بالمذهب الكاثوليكي خلاف غالبية سكان أميركا المنحدرين من أصول إنجليزية وألمانية والذين يدينون بالمذهب البروتستانتي.
وكان من اللافت للمجتمع الأميركي تخطيه لعقبة المذهب حينما انتخبت غالبيته البروتستانتية رئيساً كاثوليكياً قبل نصف قرن هو جون كندي الأخ الأكبر للسناتور تد كندي. وستثبت الأيام أن هذا المجتمع سيتخطى عقبة اللون أيضاً حينما سيقع اختياره على الأسود براك أوباما رئيساً له. ومن المحتم أن هذا المجتمع الديناميكي سيضع شرط الجنس وراءه قريباً.
وتخطي تلك المعوقات الاجتماعية ليس بالأمر الهين، فتخيلوا أن يتم انتخاب رئيس مسيحي عندنا فيما عدا لبنان حيث تقسيمة المناصب السيادية معروف!! بل تخيلوا أن تختار شعبونا في بلادنا الإسلامية الواسعة رئيساً لا يدين بمذهب الغالبية!!
ومن ملاحظاتي الجديرة بالتسجيل والتي تكررت علي في أسفاري المتعددة سواء لدبي التي أعشقها أو لمناطق أخرى من العالم ومن بينها الولايات المتحدة الأميركية التي أزورها مضطراً هذه الأيام، ما أراه من سلوك للسائح العربي والخليجي على وجه التحديد يكاد أن يكون نمطياً.
وبالطبع فإن معظم السياح العرب هم من الخليجيين الذين رزقهم الله ثروة يستطيعون بها ارتياد الآفاق المختلفة ليتجولوا في أركان المعمورة الأربعة، لكن ثمة بعض العرب الآخرين إما أن يكونوا من السياح أو من الذين توطنوا دياراً أخرى، بيد أن نمط سلوكهم ـ إلى حد كبير ـ لا يختلف جملة وتفصيلاً عن السائح الخليجي اللهم في درجة الصرف والبذخ، أما في الاهتمامات فثمة وحدة عجيبة ربما تكون تعبيراً عن قسمات ثقافية مشتركة لم تترجم للأسف إلى وحدة سياسية بين الأقطار العربية.
لعل الملاحظة الأولى، وهي ملاحظات كثيرة نسوق اثنتين منها على سبيل المثال وليس الحصر، عدم اهتمام السائح العربي في تثقيف نفسه والاستفادة من أسفاره كمصدر للتزود بالمعلومات عن البلدان الأخرى والاطلاع على تاريخها وانجازاتها الحضارية.
فتعدم أن ترى سائحاً عربياً وقد وقف يتجول في المكتبات العامرة وبين أرفف كتبها التي لا تحصى، محاولاً الإطلاع على المطبوعات الجديدة، أو أن تراه في متحف يتأمل مقتنياته ويحاول أن يُكَون صورة عن تاريخ ذلك الشعب الذي هو بين أحفاده، أو أن يذهب إلى المتاحف العلمية والفنية والصناعية ـ وما أكثرها ـ في البلدان الغربية، التي تحكي قصة جوانب مختلفة من الحياة!!
وقد قضيت سحابة نهار كامل في متحف التاريخ الطبيعي في نيويورك (وهو آية من الإتقان والروعة في المعلومات وعرضها) ولم أشاهد أحداً من أبناء جلدتنا، على كثرة ما بهذه المدينة العامرة عرب، كسائحين ودبلوماسيين ومقيمين. والحق، أنني لم أتذكر أيضاً أنني شاهدت ـ على كثرة أسفاري ـ سائحاً عربياً وقد حمل خريطة للمدينة التي يزورها يحاول الاهتداء بها لمعرفة معالمها، كما يفعل باقي السياح من مختلف دول العالم، حتى تلك البلدان التي هي من الناحية الاقتصادية أشد تخلفاً منا!!
ولعل الظاهرة الملفتة الأخرى هي اهتمامات المرأة العربية السائحة التي لا يتجاوز عالمها قط المجمعات التجارية والأسواق، حيث تمضي وقتها كله تقريباً في عملية التسوق، وكأن البلاد العربية والخليجية منها على وجه الخصوص خلوة من أي بضاعة!!
وكأن بلداننا الخليجية بمتاجرها العامرة لا تحوي أرقى «الماركات» العالمية وأجودها!! والغريب أن المرأة العربية والخليجية بالذات تشتري لحب «الاقتناء» وليس للبس والتزين، والدليل على ذلك لبس السواد الغالب عليهن!! ويبدو أن السواد الأعظم من النساء العربيات لا تعرف شيئاً غير ذلك، وهو أمر مؤسف!!
كاتب كويتي
