في دورات التاريخ هناك منتصر ومهزوم والفارق هو بالكيفية التي كتبت فيها تلك الأسفار، وهل كانت موضوعية أم تبريرية؟ ولو نظرنا إلى هزائم القرن الماضي ما قبل الحربين الكونيتين، أو ما بعدهما لرأينا كيف هزمت اليابان روسيا، وتمزقت الامبراطورية العثمانية ، واحتلت بريطانيا وفرنسا، وقبلهما أسبانيا معظم دول العالم، وحتى أمريكا كانت مستعمرة بريطانية، لكن الفارق هو بين من يطرح الأسباب ليبني عليها النتائج في محاكمة تحليلية عقلية، وبين آخر يراها مجرد دورة تاريخية لا تقلل من أمته أو شعبه، أو حتى هزيمته، ومثل هذا التصور أعاق قراءة التاريخ بحس المسؤولية الأدبية في مواجهة الذات بسلبياتها، وإيجابياتها..
الأمة العربية لها تاريخ طويل وكأسرع انتشار حضاري في العالم، وكالأمم الأخرى انتصرت وهُزمت، لكن سيادة الماضي باتت عقدة بأننا مَن أثرى علوم الرياضيات والفلك والبصريات والكيمياء، ومن قعّد اللغة ودوّن الفقه، وهذا أمر مسلّم به عند الأعداء قبل الأصدقاء، لكن ما يعيب الحضارات القديمة هو أنها تعيش على أطلال التاريخ، فالعراق كأول من أسس الأبجديات الأولى للقوانين والملاحم ونظم الدولة، وكذلك مصر بحضارتها الهائلة وسورية، واليونان والروم والهند والصين، هناك من بقى في الظل في الحضارة المعاصرة، وهناك من جعل الماضي سجلاً لمرحلة ما لتبدأ نهضة أخرى، وهذه نجدها في الصين والهند كامبراطوريتين قادمتين، فيما تبقى الدول المؤسِّسة للحضارة الأوروبية تعيش على دعم غيرها في الحزام القاري..
أما العرب والعالم الإسلامي، فيُستثنى منهما تركيا القادمة بعد العديد من التجارب الصعبة، وماليزيا التي جاء تأثرها بمحيطها الجغرافي لتحسم أمر التساؤل في أي اتجاه تسير، فكان الجواب المحافظة على الهوية والتعددية ثم الصعود مع التنانين واليابان..
العرب وحدهم من عاشوا بلا طريق فكل التحولات التي انتهت مع الحكم العثماني بقيت خارج سياق المنطق، فمن استعمار لآخر، وفي زمن التحرر ولدت الحروب والتناقضات والمؤامرات وصرنا أكبر مصدر للاجئين وساكني المخيمات، وإهدار كل الفرص في بناء نموذج دولة تؤثر في محيطها، والسبب أن التاريخ لدينا دخل مبدأ القداسة، وليس المحاكمة الهادئة لقراءات دقيقة تضعنا أمام الحقيقة المجردة، وأن التسميات والشعارات والتواريخ تبقى طرقاً متقطعة مالم نواجه أنفسنا بصورة شجاعة..
فتاريخنا مليء بالدماء والاختراقات الإنسانية، وتوالدت في جوفه زعامات خرجت عن دورها المسؤول وحتى عن عقيدتها، وهُزمنا في أكثر من موقع وحتى الآن لا نجرؤ على مجاراة إسرائيل، ولا إيران، والأدهى أننا لا نزال نعيش على تضخيم الذات مع الشعور بالانكسار الداخلي الذي لا نريد أن نعبر عنه بصراحة، أو نجعله مقياساً لقصورنا ورعبنا الداخلي..
نعم بدون الإسلام لا يوجد تاريخ عربي مزاحم لتواريخ العالم، وعظمته جاءت من أنه رسالة سماوية، ثم ما كان من فدائية وعظمة قادته الأوائل بإنكار ذواتهم ووضوح أهدافهم، لكن المشكل أن المتوارَث الآن من ذلك العهد، مجرد فراغ كبير ونزاع حول الإنسان والهوية، وحدود الوطن وفيما إذا كان يشمل كل العالم الإسلامي أو ما تعترف به الأمم المتحدة وشعوب العالم ، وفي هذا التيه الطويل سنبقى في المدار الضائع، إلا إن أدركنا ميزان عقولنا وعدنا إليه وفق خطة غير قابلة للنقض والتخريب..
