قبل أيام، التقيت بصديق قديم يشغل منصباً مرموقاً في إحدى الوزارات. صديقي هذا قضى في مجال تخصصه أكثر من 25 عاماً منها سنوات في هذا المنصب. كيف الحال؟ سألته فإذا بتقطيبة الوجه التي باتت أكثر من معتادة..

ربما اترك العمل خلال عامين وسأرى ما إذا كنت سأفتتح مكتباً للاستشارات أو أي خيار آخر... وما ان جاء ذكر الاستشارات إلا وتبعها استدراك ضروري: «لكن الاستشارات في بلدنا ليس لها سوق..».. وفي وقت واحد وجدنا أنفسنا نردد التفسير نفسه «جماعتنا» لا يأخذون استشارات من مواطنيهم.. بل من أجانب أيا كانوا».

ثلاثون عاماً وأنا أتعايش مع هذه الحقيقة، جماعتنا أيا كانوا وفي أي مجال وأي ميدان، عندما تأتيهم النصيحة أو الرأي من واحد مثلهم يستكثرونها ولا يتقبلونها أبدا لكن النصيحة نفسها ما أن تأتيهم من شخص عربي أو أجنبي إلا وأصبحت قرآنا منزلا لا يأتيه الباطل. وفي تعبير ساخر لصديق كويتي يصف فيه هذه الخاصية في ذهنية الخليجيين.. «جماعتنا يحبون اللي يقص عليهم..».

«يقص» باللهجة الخليجية هي المقابل لمفردة «يكذب». ليس من الضروري ان نبلغ هذا القدر ؟ رغم المرارة - في وصف الخبرة التي يمكن أن يحصل عليها أرباب العمل الخليجيون او الوزراء أو حتى المواطنون أنفسهم من غير مواطنيهم، فالمشكلة بالأساس تبدو مترسخة في الذهنية العامة للخليجيين: «جماعتنا لا يعرفون والآخرين (أيا كانوا) هم الذين يعرفون».

محادثتي العابرة مع صديقي، أيقظت في ذاكرتي أمثلة لا حصر لها. ففي أواخر الثمانينات، كان هناك صديق آخر، اكتشف جرثومة سجلها باسمه، وكتبت عنه الصحف متباهية كالعادة، لكن ذاك كان آخر ما سمعناه بعد الاكتشاف. شاب آخر، أجرى في منتصف التسعينات تجربة لتوفير المياه عبر استخدام مياه المكيفات المهدورة لأغراض أخرى غير الشرب والاستحمام.

أجرى تجربة على ثلاث عمارات تابعة للشركة التي يعمل فيها وكانت النتيجة مذهلة: فاتورة المياه للعمارات الثلاث خلال 3 شهور من أشهر الذروة في الصيف كانت صفرا (غمُْ). لكن الموضوع الذي نشرناه عنه كان آخر المطاف. أعطته الشركة جائزة في احتفال مع صورة فيها ابتسامة عريضة لأحد مسؤولي الشركة والجائزة تتوسط أيدي الاثنين، كان هذا نهاية المطاف، فيما وزارة الكهرباء والماء لاتزال تصرف آلاف الدنانير منذ ذلك الحين وحتى اليوم لملصقات توعية الجمهور بضرورة الاقتصاد في استخدام المياه في بلد يعاني من نقص متزايد في المياه.

إلى هذين، شاهدنا في الثمانينات في ندوة متواضعة بنادي البحرين للسينما شاباً بحرينياً متخصصاً في أفلام الكرتون يعرض لنا نماذج من أعماله أنجزها بالكمبيوتر وأخرى مرسومة باليد، الآن اكتب عنه بشعور من يكتب عن تاريخ غابر وأتساءل: أين هو وأين قدراته ومن احتضنها وحولها إلى إنتاج من نوع ما؟ لا جواب.

نظمنا في ذلك النادي أكثر من مهرجان ومسابقة، وكنا في كل مرة نشاهد طاقات لا حصر لها تبرز من بين عشرات الشبان الذين كانوا يشاركون: مصممي غرافيك من الطراز الأول ينفقون من جيوبهم ألاف الدنانير لشراء برنامج خاص للتصميم، موسيقيون موهوبون ينتهي بهم العمل في النوادي الليلة والمطاعم. مخرجون صغار لديهم رؤى عميقة لمشكلات تبدو اكبر من سنهم.

لكن أين هم الآن؟ لا تظنوا أن أمثلة كهذه ليست موجودة إلا في البحرين، بل هي نمط تفكير خليجي راسخ، ففي كل بلد يتخذ هذا النمط من التفكير شكلا ويظهر في ميادين عدة. فان لم تحارب الفكرة لأسباب مصلحية، ستحارب لعيب مفترض في صاحبها لكن بعيدا عن المنطق: أصله، من أي طائفة، عرقه.. وهكذا.

ولأن الخليجيين مسكونون بعقدة الطفرات والأرقام القياسية والمنجزات على طريقة «الأول من نوعه»، فهم ابعد ما يكون عن منطق «النمو الطبيعي». النمو الطبيعي بما يعنيه من تدرج ومثابرة وبناء ومراكمة خبرات لتحقيق التطور النوعي من مرحلة إلى أخرى. هذا كله ليس في الحسبان، فالخليجيون مستعجلون دوما ويريدون انجازا من أي نوع لمجرد التباهي.

انظروا إلى الصحافة والإعلام في دول الخليج: مطابع متقدمة، مجلات ملونة مصقولة الورق، أجهزة وحواسيب من آخر ما أنتجته المصانع، محطات تلفزة ضخمة وميزانيات بالملايين لكن محتوى الخطاب الإعلامي ومستواه ومضمونه مازال كما هو أسيرا لمقاربة واحدة: «نحن الأفضل وكل شيء لدينا بهيج والحياة مثالية وليس لدينا أية عيوب». محض دعاية دوغمائية لا تقترب حتى من مقاييس بول جوزيف غوبلز.

ووسط هذا كله، ثمة خبراء من كل مكان لكن أحدا لا يتوقف للحظة ويتساءل: ماذا يفعل هؤلاء الخبراء؟ هل يقدمون جديدا أم إنهم يعطون «صاحب الحلال» ما يريد فقط؟ يسمعونه ما يحب أن يسمع ام يعطونه حقائق؟ هل يؤدون عملهم فحسب أم إنهم ينقلون خبرات وتقنيات أيضا؟

وكي لا يفهم الأمر على نحو غير ما اقصد، فانا لست ضد الاستعانة بأي خبرة، عربية كانت أم أجنبية لكن ما دمنا نتحدث عن الإعلام والصحافة تعالوا لنتساءل: لماذا نشكو من حال صحافتنا وإعلامنا فيما الخبراء من كل مكان موجودون منذ عقود طويلة بيننا؟ ما الذي تركوه من أثر؟ الا تستوقفكم حقيقة مثل هذه: منذ تأسيس «الأهرام» في أواخر القرن التاسع عشر وحتى اليوم ليس لدينا وكالة أنباء عربية واحدة يعتمد عليها.

في السنوات الأخيرة، أصبحت انصح كل الموهوبين والكفاءات وأصحاب الابتكار في أي مجال ممن يقصدني طالبا النصيحة، أن يحقق انجازه خارج بلدان الخليج، لحظتها سيعترف أهل الخليج بانجازه أو قدراته، لا المعنيين من المسؤولين أو الأكاديميين بل حتى المواطنين العاديين.