منذ عام ونيف لم ينجح الفلسطينيون في تنظيمي «فتح» و«حماس» على الإتفاق على القضايا العالقة فيما بينهما, وبقي الإتفاق يدور في حلقة مفرغة. ورغم الجهد المشكور والعمل الدؤوب للإخوة المصريين إلا أنهم ليومنا هذا لم تتكلل جهودهم باتفاق بين الحركتين. فكلا الفريقين يتهم الآخر ويلقي عليه بتبعة الفشل وعدم التوصل لإتفاق فيه مصلحة الشعب الفلسطيني ماثلة وحاضرة.

وفي الفترة الأخيرة أعلن عن نجاح عدة محاولات للتوفيق بين الحركتين في عدة قطاعات حيوية للشعب الفلسطيني, مثل إعلان نتائج الثانوية العامة وقضية الرعاية الطبية للخارجين للإستشفاء وقضية الحج والعمرة. ويقال أن موضوع الأندية الرياضية قيد التوافق وسيتم نجاحه كسابقه من الموضوعات. وهذا أمر يدعو للسرور والتمني أن يطول ويستمر, وأن لا يكون الأمر عرضيا وظرفيا مؤقتا وأن نرى توافقات جديدة ناجحة.

وقد سميت هذه النجاحات توافقات لتمييزها عن الفشل الذي رافق الإتفاق الذي طال انتظاره منذ زمن طويل في محادثات القاهرة وما زال يراوح مكانه. ويبدو أننا نعشق اللعب بالألفاظ فأسمينا هذه النجاحات بالتوافقات , اما ما كان مصيره الفشل فننعته بالإتفاق, مع أن كلا الأمرين يحتاج إلى نقاش وبلورة واتفاق حقيقي وفي الحالتين كنه الأمر هو التوصل لإتفاق, كل ذلك لنبرر لأنفسنا تارة ولنرفض تارة أخرى في لعبة سخيفة لا معنى لها حتى لو خرقنا قواميس اللغة.

هذه النجاحات في موضوع التوافقات تشير بشكل قاطع إلى إمكانية تذليل العقبات والصعاب بين الجانبين إذا أردنا الحقيقة وابتعدنا عن الترهات الكلامية, فكلاهما من أبناء هذا الشعب وليسا من بلاد الواق واق وثقافتهما متقاربة, ولغتهما واحدة, ودينهما نفس الدين, وعاداتهما متشابهة, ومصيرهما واحد بشكل لا ينفصم, وآمالهما واحدة فلم الفرقة والعزلة في حين أنهما أبناء عائلة واحدة؟.

لذلك يبدو منطقيا أن يثورالسؤال الذي يقفز لذهن أي عاقل: لماذا لا تعمم مثل هذه الظواهر ولا يتم تبنيها من قبل الجانبين؟! بل ما الذي يمنع أن تصبح هذه التوافقات هي الظاهرة السائدة بين الفريقين؟!ما الذي يمنع من ذلك إذا رغب الفريقان في مصلحة الشعب الفلسطيني الحقيقية وكانت هي نبراسهما؟ هل درجة الخلاف في كل المواضيع بين الفريقين وصلت إلى حد القطيعة؟! كيف انزلقنا كل هذه المنزلقات السحيقة مع أن نقاط الإلتقاء أكثر من نقاط الخلاف؟! كيف ابتعدنا عن الحقيقة والمنطق والعدل والموضوعية وارتمينا في فئوية بغيضة مقيتة غدت نهجا ثابتا؟!

لو توقفنا لبرهة من الزمن وبدون أحكام مسبقة وبدون مصادرة على المطلوب وبنية سليمة, لوجدنا أن كثيرا من الأمور يمكن حلها والوصول لحلول معقولة فيها, تماما كما حصل في التوافقات التي حصلت والتي اعتقد البعض أنها لن تحصل. العبرة دائما وأبدا في السعي نحو حل معقول بقلب وعقل مفتوحين, فليس هناك شيء اسمه مستحيل, فضلا أن هذه القضايا الحياتية يحكمها عادة العقل والمنطق والقواعد العامة وسنن الخلق فهي من القضايا التي يطبقها الإنسان ولا تحتاج إلى كثير من العناء والعناد.

تعالوا نضرب مثلا على ذلك حتى لو كان الموضوع في غاية الحساسية والجدية والسياسية بين الجانبين, فما بالك لو كان الموضوع لا يثير أية حساسيات ويتعلق فقط بالأسعار أو بالتموين أو بالسير. فمثلا ماذا يمنع المجلس التشريعي بألوان الطيف مجتمعة من الإنعقاد حتى في غياب بعض الاعضاء من حركة «حماس» نتيجة اعتقالهم غير المشروع من سلطات الإحتلال الإسرائيلية من أجل سن قانون خاص بالشفافية مثل من أين لك هذا؟.

هل يعقل أن تنظيما ما سيدافع عن الرشوة والمحسوبية وآخر سيهاجمها أم أن الجميع سيصلون إلى حل وسط في هذا الموضوع. حتى لو لم يكن هناك احتلال إسرائيلي, وحتى لو لم يكن هناك حماس وفتح, وكان هناك حزب قومي وحزب اشتراكي وحزب رأسمالي, لكان هناك نقاش جاد ورصين حول مثل هذا القانون وأي قانون. لو تم اتخاذ بعد عملي لما ضاعت هذه السنين هدرا ولما تعمق الجرح بين الفريقين ولما سالت دماء كثيرة. الأسلوب الديموقراطي هو الأسلوب الأمثل الذي يبتعد عن الإكراه والفرض فمن خلاله يتم الوصول لحلول وسط مقبولة لدى الكثيرين.

التعددية أو قل الديموقراطية أمر تفرضها طبيعة الأشياء ولا يمكن تجاهلها ولا إنكارها أو الحيدة عنها. فليس هناك دين أو مذهب أو حزب أو حركة لم تعرف هذا الأمر وإن اتخذ مسمى مختلفا عن الآخر, بل هو موجود في أصغر خلية اجتماعية ألا وهي الأسرة. لننظر لأي أسرة سنجد أبناء وبنات جاءت من ذات الرحم وتشكلت في ذات البيئة الإجتماعية ولكنها مختلفة في كثير من الأمور.

هي مختلفة في الطعام المفضل وفي اللون المفضل وفي الكتاب المفضل وفي الأغنية المفضلة وفي الرداء المفضل وفي الفكرة الفضلى ولكنها متفقة على المصلحة العليا للعائلة, هذه طبيعة الأشياء وسنة خلقية لا حيدة عنها. ولا يمكن أن يكون هذا العالم المتعدد المشارب على وتيرة واحدة مهما كانت سامية.

لذا يبدو الإعتراف بالآخر هو الأساس بدل استبعاده والإحلال محله. دائما هناك نصف ممتلىء من الكأس ونصف فارغ فيه, فلنر النصف الممتلىء. لا أحد مطالب بإلغاء معتقداته أو مبادئه لكن يجب أن يقبل الآخر بكل هناته وظروفه كما يراها. كثير من الأفكار يمكن أن ترفض في لحظة زمنية معينة وتقبل بل ويرحب بها في لحظة زمنية أخرى. كثير من التصرفات رفضت في بداية العمر وغدت مقبولة في أرذل العمر والعكس صحيح تماما. فكم شخص كان من أنصار مذهب سياسي أو ديني أو فلسفي أو أخلاقي ما في مقتبل عمره فغدا في موقع آخر فيما بعد.

الإنسان كائن اجتماعي محكوم بظرفه وبشرطه وبيئته وثقافته وهذه تشكل كثيرا من قناعاته على مر الزمن. والناس متفاوتون في هذه الظروف والشروط والأوضاع وإلا كيف يفسر في أن فلانا دموي أو مسالم أو بخيل أو مسرف أو شجاع أو جبان أو كريم أو حريص وما إلى ذلك من أوصاف. هل يعقل أن يكون الأفراد على شاكلة واحدة لا ترى فرقا بينهم. هذا أمر غير موجود البتة ولا يمكن أن يكون موجودا البتة.

إذا لم يكن الحوار بّدا فهو أمر لا بّد عنه ولا حيدة عنه لأن البديل أسوأ بكثير. فإذا لم يكن هناك حوار فلن يكون بديل عن القوة والسيف والإكراه والدم. فما لا يدرك كله لا يترك جله ورحلة الدول في صعود وهبوط وتأرجح طيلة الوقت ودوام الحال من المحال ولكل زمان دولة ورجال.

ما لا يدرك كله لا يترك جله, فهذه التوافقات الفلسطينية تحيي الآمال لمزيد منها يرافقها أحلام بالتوصل لإتفاق عام وشامل بين الحركتين الكبيرتين في فلسطين. فليس للتعلم عند الحركتين سن يقف عندها, ولنترك خلفها خلافاتها فلا جدوى من البكاء على اللبن المهراق والوقوف على الأطلال, فالأعشاب الضارة بين الحركتين تنمو بسرعة ويومها ينفطر الفؤاد ويضيع الأمل. .