مع بداية الأزمة المالية العالمية تراجع سعر الدولار الأميركي مقابل العملات الرئيسية الأخرى في الأسواق العالمية ودعتا روسيا والصين في وقت سابق إلى ضرورة إيجاد عملة حسابية عالمية جديدة كبديل للدولار. غير أن موسكو وبكين استبعدتا إمكانية إيجاد حل لهذه المسألة في وقت قريب.
وكانت الصين، مثلاً، قد اشترت من أذون الخزانة الأميركية ما قيمته 9,767 مليار دولار قبل مارس 2009 بينما اشترت روسيا ما قيمته 4,138 مليار دولار. ومن هنا رأى خبراء كثيرون أن سوق العملات غير مستعد لتغيرات كبيرة، وأن الدولار سيظل هو العملة الرئيسية لفترة طويلة قادمة، وقد صرح ألكسي كودرين، نائب رئيس الوزراء وزير المالية الروسي، في تصريحات للصحافيين الروس إن الدولار سيبقى عملة الاحتياط الأكثر استعمالاً عالمياً لمدة 10 أعوام أخرى على أقل تقدير.
ويعتقد الخبراء أن دول العالم لن تتخلى عن الدولار حتى إذا ظهرت عملة احتياط جديدة، مرجحين أن يقبل المستثمرون في هذه الحالة على تنويع استثماراتهم.
رغم هذا التفاؤل تجاه الدولار إلا أنه، ومع تطورات تداعيات الأزمة المالية والاقتصادية في العالم، وخاصة في الولايات المتحدة الأميركية التي لم تظهر فيها حتى الآن أية بوادر مبشرة لمواجهة الأزمة، نجد الحديث عن تنحية الدولار والبحث عن عملات أخرى بديلة يدور في أروقة المال والاقتصاد في العالم، وحتى في الولايات المتحدة نفسها، فقد أعلن الخبير الأميركي جوزف ستيغليتز الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد، وهو بروفيسور في جامعة كولومبيا، في أواخر أغسطس المنصرم أن الدولار الأميركي استنفد جدواه كعملة احتياط دولية رئيسية.
وكان ستيغليتز قد حذر في رسالة مفتوحة إلى الكونغرس الأميركي في 18 أغسطس أن طبع المزيد من الأوراق النقدية في الولايات المتحدة «دون حسيب أو رقيب» لابد من أن يؤدي إلى «تلاشي قوة الدولار الشرائية».
وأفادت وكالة بلومبرغ للأنباء أن إجمالي القروض التي قدمتها وزارة المالية الأميركية إلى الاقتصاد الأميركي بلغ 1,1 تريليون دولار. ويرى ستيغليتز أن قسماً من الأوراق النقدية الأميركية الإضافية يمكن أن يصب في اتجاه المضاربة على أسعار العقارات وأسعار الأسهم. ومن أجل إيقاف موجة جديدة من «رأسمال المضاربات» ثمة حاجة، بحسب رأي ستيغليتز، إلى نظام احتياط جديد لا يعتمد على الدولار الأميركي الذي لا يعود قادراً على لعب دور أداة المحافظة على قيمة الرأسمال.
ويرى ستيغليتز ضرورة أن تُقدم الصين على إنشاء نظام جديد كونها مالك أكبر حصة من الاحتياطات المالية الدولية تبلغ 13,2 تريليون دولار الآن. وكانت الصين وروسيا قد طرحتا فكرة إيجاد عملة دولية جديدة بديلة للدولار واليورو في أبريل الماضي قبل انعقاد قمة «مجموعة العشرين». إلا أن قادة «مجموعة العشرين» تهربوا من مناقشة هذه الفكرة وقتذاك وفق ما قاله مصدر بالوفد الروسي.
الجدير بالذكر هنا أن انهيار الدولار ليس في مصلحة أحد، ولا حتى خصوم واشنطن السياسيين، وربما تكون روسيا والصين اللذان يملكان كماً كبيراً من أذون الخزانة الأميركية تقدر بنحو تريليون دولار يكونا أكثر المتضررين من انهيار الدولار، وقد أكد مساعد الرئيس الروسي للشؤون الاقتصادية اركادي دفوركوفيتش أنه لا يوجد من يود انهيار الدولار. ولا يوجد من يهدف إلى هذا، بما في ذلك روسيا. ومن الضروري معالجة هذه القضية بهدوء وبتأن إلى أقصى درجة، ومناقشة كل جوانب هذه القضية.
واقع الحال يقول ان كثيرين يريدون للولايات المتحدة التراجع والضعف، ولكن كثيرين أيضاً لا يعلمون أن قوة الاقتصاد الأميركي وضخامته جعلت من الخطورة على باقي اقتصادات دول العالم أن ينهار هذا الاقتصاد أو يضعف، لقد تداخل الاقتصاد الأميركي في كل اقتصادات دول العالم بالقدر الذي جعل قوة هذه الاقتصادات مرتبطة بقوة الاقتصاد الأميركي وضعفها مرتبط بضعفه وتراجعه.
خبيرة الاقتصاد الروسية