الآن أعود إلى التساؤل المطروح: لماذا هذا السرد التاريخي لمسيرة العلاقة وتقلباتها بين السودان وليبيا؟لقد أردت وصل الحاضر مع الماضي لأبرهن أن العقيد القذافي كان ولا يزال حاضراً ومشاركاً مباشراً في كل التطورات السياسية السودانية على مدى 40 عاماً حتى اليوم هي عمر السلطة «الثورية» التي أنشأها العقيد في ليبيا منذ الأول من سبتمبر عام 1969. علماً ان تداخلاته المتلاحقة في الشأن السوداني لم تكن كلها إيجابية.
كما ذكرت فإن مناسبة الحديث هي ما عبرت عنه بعض القيادات السياسية في «نظام الإنقاذ» في عدم ارتياح أو استياء مغلف تجاه ما صدر عن العقيد القذافي في تصريح يؤيد فيه ويحبط انفصال جنوب السودان. إننا ننسى انه عندما كانت الحرب في الجنوب في أوج اشتعالها عند أواخر عقد التسعينات وما بعده قبلت الحكومة السودانية دخوله كوسيط بينها وبين «الحركة الشعبية» الجنوبية بناءً على ما عرف باسم «المبادرة الليبية» التي انضمت إليها مصر لاحقاً.
كان مضمون المبادرة عقد مؤتمر دستوري في طرابلس بمشاركة كل الأطراف السودانية: الحكومة وكل قيادات «التجمع الوطني» المعارض بما في ذلك قيادة الحركة الجنوبية. لكن المشروع تلاشى بعد أن تراجع جون قرنق عن المشاركة لأنه كان يرفض أي وساطة عربية في مشكلة الجنوب مفضلاً مبادرة «إيقاد» الإفريقية.
وشاهد القول ان تحرك القذافي من خلال مبادرته كان موضع رضا كامل من الحكومة السودانية فلم يكن بالتالي تدخلاً غير مشروع. أضف إلى ذلك ان القذافي في دعوته إلى انفصال الجنوب لم يأت بجديد فجائي من عنده مما يبرر استياء الخرطوم المغلف.
فالانفصال منصوص عليه ضمنياً في وثيقة اتفاق نيفاشا من خلال عبارة تمكين أهل الجنوب في ممارسة «حق تقرير المصير» وإجراء استفتاء عام يتضمن الانفصال كأحد خيارين. وفي حقيقة الأمر فإن الانفصال دعوة جنوبية قديمة طالب بها السياسيون الجنوبيون في «مؤتمر المائدة المستديرة» عام 1965. وكما هو معلوم فإن المؤتمر انتهى إلى فشل لأن السياسيين الشماليين رفضوا الانفصال. وحتى يومنا هذا فإن قادة «الحركة الشعبية» يلوحون من حين لآخر بورقة الانفصال.
والغريب حقاً أنه عندما تصدر هذه الدعوة من سياسيين جنوبيين فإنه لا تثريب عليهم ولا أحد ينتقدهم. لكن عندما يجهر بها سياسي شمالي فسرعان ما تهب عاصفة استنكار في وجهه وكأنه فتح «صندوق بانادورا». ولنستذكر انه في وقت سابق تلقى رئيس «الحركة الشعبية» وعداً من القذافي بتأييد قيام دولة مستقلة في الجنوب. ولم يعتبر سالفاكير ميارديت هذا تدخلاً ليبياً غير مشروع.