كعادته، كان الشيخ الوقور جالسا في ركنه المعتاد في المقهى، وحوله يجلس مريدوه الشغوفين بالاستماع الى حكاياته وآرائه الحكيمة وتأملاته العميقة.

قال الشيخ: كل من يتابع احوال العالم اليوم وما يجري فيه يدرك اننا نعيش في حالة فوضى عارمة.

وما كان لهذه الفوضى ان تجتاح العالم لو لم يكن المعتدون والاشرار في عالمنا وفي زماننا هذا هم جهلة لا يقرأون. معظم هؤلاء يظنون انهم سادة زمانهم، وانهم يمتلكون ناصية الصواب. لكنهم سرعان ما يصبحون هم انفسهم ضحايا لأوهامهم، ولأحكامهم الخاطئة والمضللة.

وإذا تأملنا مثلا المآسي المروعة التي نعرفها جميعا في العراق وافغانستان، فسوف نكتشف ان وراءها واحد من اكثر الرؤساء جهلا في التاريخ الامريكي هو جورج بوش، الذي لم تكن له أي علاقة تقريبا بعالم القراءة.

واذا تأملنا ايضا ما يجري اليوم في دول مثل ايران واليمن، وتأملنا الأزمة الاقتصادية العالمية الطاحنة التي لم ينج أي بلد من تأثيراتها الكئيبة، فلسوف نكتشف ان ثمة عاملا اساسيا كبيرا واحدا يقف وراءها، هو الجهل. فالجهل هو المرض العضال للقرن الواحد والعشرين. وهو مرض ليس له من دواء او علاج الا المعرفة.

بالطبع، ليس هناك دواء او علاج طبي للجهل. علاجه فقط هو التعليم والمعرفة، والوعي بالحقائق الاساسية في عالمنا.

وفضائل مثل التعلم والمعرفة والوعي لا يمكن اكتسابها الا عن طريق القراءة المتجردة والمنفتحة على العالم والحضارة الإنسانية.

ومضى الشيخ قائلا: في الحقيقة، فإن العلاج الوحيد يظل متمثلا في القول المأثور القديم إن القراءة تعني بالنسبة الى العقل، ما تعنيه الرياضة بالنسبة الى الجسم.

أما وقد عبرت عن هذه الافكار في حديثي معكم الليلة، فإنه يهمني جدا يا اصدقائي ان اقرأ لكم كلمات اعتبر انها ترقى الى مستوى الحكمة الذهبية، هي كلمات جديرة بأن يتأملها ويتذكرها دوما كل انسان سواء كان غربيا او شرقيا. هذه الكلمات يمكن ان تساعدنا جميعا على مداواة الجراح والمعاناة والالام التي يسببها لنا بعض البشر.

هي كلمات خطها عملاق الادب الانجليزي روديارد كبلينج، الذي ولد في بومباي عام 1865، وتلقى تعليمه في انجلترا، وكان اول كاتب بريطاني يحصل على جائزة نوبل في الادب.

كتب كيبلنج:

"لو أنك فقط تستطيع ان تحتفظ برباطة جأشك وألا تفقد صوابك، حين يفقد كل من حولك صوابهم، ويحملونك انت المسئولية.

لو انك تستطيع ألا تفقد ابدا الثقة في نفسك، في الوقت الذي يشك فيه كل من حولك فيك، وان تلتمس لهم في نفس الوقت العذر على شكوكهم وريبتهم.

لو انك تستطيع ان تكون طويل البال، وان تنتظر، والا تمل من الانتظار وإلا تكون كاذبا او مخادعا، حين يكذب عليك الآخرون، ويكون من حولك مخادعون.

وألا تدع مشاعر الكراهية والحقد تتملكك، حين يكرهك الآخرون.

وألا تصبح مختالا فخورا، او تظن نفسك حكيم زمانك.

لو انك تستطيع ان تحلم، وألا تصبح في نفس الوقت عبدا لأحلامك.

لو انك تستطيع ان تفكر، والا تصبح في نفس الوقت اسيرا للأفكار.

لو انك تستطيع ان تتعامل مع انتصاراتك، ومع هزائمك وانكسارك، بنفس القدر من التعقل والحكمة والاتزان.

لو انك تستطيع ان تتحدث وتتواصل مع عامة الناس، ولا تفقد قناعاتك وفضائلك.

او تتعامل مع الملوك، من دون ان تفقد حسك الشعبي واحساسك بما يحس به عامة الناس.

لو انك تستطيع ان تجنب نفسك الآلام التي يسببها لك اعداؤك ومحبوك على حد سواء.

لو انك تستطيع ان تكون مثل كل الناس، وان تحتفظ بذاتك في نفس الوقت ومن دون ان تكون مجرد صورة منهم.

لو انك تستطيع ان تدرك ان لكل دقيقة حسابا، وان كل ستين ثانية يجب ان تستغلها الاستغلال الاقصى والامثل.

لو انك تستطيع ان تفعل هذا، ستصبح الارض ملكا لك هي وما عليها وما فيها.

وسوف تصبح يا بني إنسانا بحق جديرا بهذه الصفة".

عند هذا الحد، توقف الشيخ عن القراءة، واستأذن في الانصراف، ومضى الى خارج المقهى لتطويه صفحات ليلة ظلماء غاب عنها ضياء القمر.