لم يتحدث سمو الأمير محمد بن نايف باللغة البوليسية الخشنة أو المخادعة عندما هاتفه الانتحاري عبدالله عسيري، بل كان ودوداً حريصاً على سلامة عائلة إرهابي آخر ونفسية والدته، وقد يكون هذا الأسلوب التربوي، والأبوي مع الإرهابيين أكثر خطورة من تعليق المشانق لأن حسهم المستفز والعدائي، يريد خلق الأبطال الوهميين بأساليب الانتحار بدعوى الاستشهاد، وسلوك الإقناع واللين ، والتعامل بمنطق المسؤول والمواطن، يعني التفويت على هذه العناصر أن تكسب التحدي حين يكون الرد على العنف بما يساويه، ومن سياق المحادثة، نجد أن ثقافة الانتحاري عبدالله العسيري أقرب إلى السذاجة، وأنه مجرد قنطرة حُقن بالتلقين والتفخيخ، واستهداف أهم رجل في المواجهة، ولو حدث، لا سمح الله، أن نجحت الخطة ووصلت إلى غاياتها لتحولت إلى رصيد مضاعف للانتحاريين، لكن فشلها كان أكبر ضربة لهم لأسباب عديدة..

أنه باكتشاف العملية ودقائقها، وصعوبة كشفها أعطى أجهزة المملكة الأمنية، وكل من يلاحق عناصر القاعدة أو أي فئة إرهابية أخرى، فرصة استخدام طرق مغايرة وحديثه، وهذا يعني أن الفشل لم يكن فقط نتيجة صاعقة على خطط الإرهابيين بل فتح عيون الأمن على تطور جديد أو أساليب مغايرة لما كنا نعرفه، وبالتالي لا بد من خلق خطط مغايرة قد لا تملكها هذه العناصر..

الناحية الأخرى أنه إذا أريد بالعملية الشك بكل من يحاول التوبة، والانسجام مع الحياة بدواعيها الطبيعية وجعل أجهزة المملكة ترتاب في أي شخص حتى لا تتجدد مثل هذه العملية، فهذا يعتبر وهماً لأن الأصل بين كل الأطراف هو الثقة وليس الشك، وهذا اعتبار قد يعتقد الإرهابيون أنه أحد مكاسبهم، ومع ذلك فالعملية درس مفيد ومكسب كبير للأمير محمد وإدارته الناجحة والمتطورة في التعامل مع الأحداث بمفهومها العلمي، واحتمالاتها المختلفة بما فيها بروز مثل هذا الحدث..

إن اختراق الدولة لعمق التنظيم الإرهابي، والتعامل مع عناصره بحوار حضاري مميز سيكون السلاح المضاد، وإن الشعور بالأمان حتى داخل السجن، وفهم الأسباب والحالات النفسية، وطبيعة هذا الإنسان داخل أسرته ومجتمعه، ومصادر تربيته وثقافته، والعناصر المؤثرة في سلوكه وتفكيره، كلها عوامل مهمة جداً، لأن ما اعتدنا عليه من أنظمة العالم الثالث هوالقسوة حتى مع البريء أو من لا تطاله التهمة، ونحن أمام عناصر مختلفة الأعمار والنضج والوعي ..

وإن إدراك أن الجهاز الأمني هو إصلاحي بمفهومه الحقيقي، وليس تصفية أشخاص واستخدام العنف هو ما ينزع عن الكثيرين مخاوفهم، وحبذا لو طرحت نماذج من الاعترافات والمناصحات لتكون دروساً مستفادة تُنشر على كل القنوات الفضائية، بداعي أن الجهاز الأمني ليس بالصورة التي تعتمد الظن ولا تبحث عن الحقيقة، وستكون رداً موضوعياً لا مفتعلاً أمام من لديهم قابلية التغرير والتجنيد، وحبذا أيضاً لو أضيف لها في كل مدرسة وحي، وجامع ومسجد مكتبة تركز على مخاطر سلوكيات وأهداف الإرهابيين بالتنسيق مع وزارة التربية والأجهزة الأخرى واعتمدنا مبدأ الكتاب للجميع والذي يمكن اختياره وطباعته وفق اعتباراتنا الاجتماعية، وبأسعار رمزية أسوة بمن سبقونا سواء في ثقافة (الأدلجة) كما فعل السوفيات والنازيين، أو دول مثل مصر استطاعت النجاح بتوفير كتاب في متناول أصحاب الدخول المتوسطة والمتدنية ونشر الثقافة للجميع، ونحن لا نقل حاجة بمجابهة الفكر بالفكر وبمنهجية علمية تقطع الطريق على الفكر الإرهابي..

يوسف الكويليت