جاءت مقالة المترجم الأميركي ريموند ستوك المقيم في مصر والمنشورة في العدد الأخير من دورية «الفورين بوليسي» الأميركية لتكشف عن حلقة جديدة من حلقات الضغط المتواصل على المثقفين العرب بشكل عام والمصريين منهم بشكل خاص من أجل التطبيع مع إسرائيل وعدم التهجم عليها أو حتى نقدها.
ورغم صغر حجم المقالة إلا أنها تكشف عن العديد من الجوانب التي ترتبط بحالة الضعف العربي الراهنة واستئساد الآخرين علينا ومسارعتهم إلى النيل من أوضاعنا المشجعة لهم.
يحاول الكاتب الربط بين تصريحات وزير الثقافة المصري فاروق حسني بخصوص إسرائيل وبين المثقفين المصريين بشكل عام الرافضين لإسرائيل وممارساتها في المنطقة ولأية محاولات للتطبيع معها. وبغض النظر عما قاله الوزير المصري ضد إسرائيل
وما إذا كان صحيحا أم لا، فإن الأمر الذي يصعب إنكاره أن المثقفين المصريين ومنذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد وقفوا حجر عثرة أمام أية محاولات للتطبيع مع إسرائيل. ورغم الأجواء الرسمية الداعمة للتطبيع والمحرضة عليه، ورغم التعاون الاقتصادي المتواصل مع إسرائيل ظلت الثقافة هي الجدار الواقي الرافض لإسرائيل ولممارساتها في المنطقة.
فلم تفلح كافة محاولات النظام في مصر منذ السبعينيات وحتى الآن في تمرير أي تعاون ثقافي مع إسرائيل والقبول بمثقفيها، وإلى الآن، ورغم التغيرات الهائلة في المنطقة التي لا تصب في صالح العرب، فإن مسألة التعاون مع إسرائيل تُعتبر نوعا من الخيانة يرقى لخيانة الوطن ذاته.
صحيح أن هناك بعض الأسماء القليلة جدا التي ضربت بمقاومة المثقفين المصريين التطبيع مع إسرائيل عرض الحائط لكنها أسماء قليلة مارقة فقدت احترامها الوطني والشعبي على السواء، ولم تستطع أن تشكل تيارا حقيقيا في الساحة الثقافية المصرية.
ويُعتبر المثقفون المصريون حالة فريدة في العالم العربي من حيث رفض التعاون الثقافي مع إسرائيل في ضوء ثلاث مسائل أساسية: أولها مرور ما يزيد على ثلاثة عقود من توقيع اتفاقية السادات مع إسرائيل، وثانيا الظروف الاقتصادية الضاغطة على هؤلاء المثقفين والتي لم يستخدمونها عذرا للتكسب من التطبيع مع إسرائيل، وما يترتب على ذلك من انفتاح دور النشر الغربية عليهم.
وثالثا أن رفض التطبيع مسألة يندرج تحتها وبدرجات متفاوتة كل من المثقفين المستقلين ومثقفي السلطة على السواء. ولا ينبع رفض المثقفين المصريين التطبيع مع إسرائيل عن حالة نفسية ترتبط بالدعوى لمقاومة السامية أو غيرها من تلك الدعوات السخيفة التي تطلقها الدعاية اليهودية والغربية على السواء وتهدد بها كل من تسول له نفسه نقد إسرائيل أو النيل منها.
يتناول الكاتب وضعية المثقفين المصريين ويصور رفضهم لإسرائيل على أنه رفض نفسي وليس نتيجة لأفعال إسرائيل في المنطقة وممارساتها القبيحة ضد العرب والفلسطينيين. بل وتصل به المغالطات والكذب في الوقت نفسه للتأكيد على دور الإعلام المصري المضاد لإسرائيل في تشكيل عقلية المثقفين المصريين، ودور الفترة الناصرية العميق في ذلك، وينسى أن عبد الناصر ذاته رحل منذ ما يقرب على أربعة عقود، وأن الإعلام المصري لا يشكل توجها واحدا نحو إسرائيل.
ولا يقف الكاتب عند هذا الحد من الأكاذيب والتلفيقات التي يعتمد فيها على اقتباسات غير مُوثقة عن الكاتب الراحل نجيب محفوظ والتي لا نعلم ماهية مصادرها، حيث يرى أن المثقفين المصريين يستخدمون حجج قديمة تتعلق برفضهم لإسرائيل مثل مصادرتها للأراضي الفلسطينية وعدم قبولها بوجود دولة للفلسطينيين وعدم تحقق عملية السلام حتى الآن وغيرها من الدعاوى التي أصبحت من وجهة نظره مثل الأكليشيهات لدى هؤلاء المثقفين، بل إنه يربط ذلك بارتفاع المد الديني في المنطقة وظهور تنظيم القاعدة والارتباط بحزب الله.
تمثل مقالة ريموند ستوك مثالا حيا للقدرات الهائلة للكتابة على التزييف والخداع والكذب، فالكاتب أغفل بقدرة قادر الصراع العربي الإسرائيلي الممتد منذ منتصف القرن العشرين وحتى الآن، كما أنه أغفل كلية الممارسات الإسرائيلية التي ابتدأت بالتهجير العنصري وواصلت ممارستها حتى وصلت بالاتجار بأعضاء الفلسطينيين.
ولأن مقالته مبنية منذ البداية على فكرة مسبقة هدفها نقد وزير الثقافة المصري الباحث عن مقعد اليونسكو، فقد تم الزج بالمثقفين المصريين على تباين مشاربهم من أجل توضيح أن ما قاله فاروق حسني، يعبر عن رأى المثقفين المصريين ككل. الغريب في الأمر أن الكاتب أهمل تماما الفجوة القائمة بين توجهات فاروق حسنى نفسه وتوجهات قطاع كبير من المثقفين المصريين، ولأنه يعتمد على فكرة مسبقة يصبح التعميم من أهم أدواته في وصم المثقف المصري الرافض للتطبيع بالعداء للسامية واليهودية والرغبة في إزالة إسرائيل من الوجود.
رغم نشر المقالة في واحدة من أهم الدوريات الأميركية إلا أنها تعبر عن قطاع واسع من الكتابات التافهة في العالم الغربي، والتي تحاول أن تشوه صورة العالم العربي في الغرب، كما تتحيز بشكل سافر لإسرائيل ومشروعها الإمبريالي في المنطقة.
إن خطورة هذه النوعية من الكتابات تكمن في أنها تكشف عن مدى الضعف الذي أصابنا من خلال فرض القبول بإسرائيل مهما فعلت ومهما تمادت في طغيانها، وهنا مكن الخطر من حيث حرب الإرادات التي تظل الثقافة فيها هي الجبهة الأخيرة لمقاومة الغطرسة الإسرائيلية والأميركية، والكشف عن أذيالهما في المنطقة.
كاتب مصري
