من الخطورة والخطأ الكبير التعامل مع تحذيرات وتهديدات موسكو باستهتار ولا مبالاة، فقد سبق أن هددت موسكو في العام الماضي أية جهة تدعم نظام الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي في اعتدائه ومغامراته الطائشة ضد جيرانه في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، ووصل غضب موسكو إلى حد تصريح رئيسها ميدفيديف ورئيس وزرائها بوتين بالتهديد باستخدام القوة وضرب أية جهة تدعم ساكاشفيلي بالسلاح، وبعدها أصدر الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف قانون يسمح لروسيا باستخدام قواتها العسكرية خارج أراضيها ضد أي تهديد لأمنها ومصالحها.

عندما تطلق موسكو هذه التحذيرات والتهديدات فعلى الجميع التعامل بجدية واهتمام بالغ معها، «على الجميع أن يتقي شر غضب الدب الروسي»، هكذا في الغرب يقولون، خاصة وأن روسيا الآن في مرحلة العودة لشغل مكانتها على الساحة الدولية، ولن تتردد في إبراز واستعراض قوتها العسكرية، وهذا ما فعلته في أغسطس من العام الماضي وفاجأت العالم بردها القوي على اعتداء جورجيا على أوسيتيا الجنوبية.

أوكرانيا جارة روسيا الكبيرة تعلم أكثر من غيرها مدى أهمية وجدية التحذيرات والتهديدات الروسية، وفي نفس الوقت تملك روسيا الكثير من أوراق الضغط الشديدة على أوكرانيا، وخاصة على اقتصادها الضعيف المعتمد في الأساس على روسيا، ولكن نظام الرئيس فيكتور يوشينكو في أوكرانيا الموالي بشدة لنظام ساكاشفيلي في جورجيا يستغل نقطة ضعف روسيا الوحيدة.

وهي أن روسيا لن تقدم بأي حال من الأحوال على ضربة عسكرية لأوكرانيا، وذلك بحكم العلاقات الأخوية الوطيدة بين شعبي البلدين وارتباطهما التاريخي والعقائدي والثقافي، وعلى ما يبدو أن حلف الناتو وواشنطن هما أيضا يستغلان نقطة الضعف هذه ويستخدمان أوكرانيا كمعبر ومنفذ لتمويل الجيش الجورجي بالسلاح.

وأكثر من ذلك، فقد أعلنت لجنة التحقيق لدى النيابة العامة الروسية أن التحقيقات في مقتل مواطني روسيا في أوسيتيا الجنوبية أظهرت أن وحدات من القوات الجورجية التي هاجمت السكان في أوسيتيا الجنوبية وقوة حفظ السلام هناك في أغسطس 2008 ضمت نحو 200 أوكراني من أفراد القوات التابعة لوزارة الدفاع الأوكرانية، وقد اعترف بعض أفراد هذه القوات الأوكرانية بمشاركتهم في الحرب،و قالوا أن مستشارين عسكريين أوكرانيين أشرفوا على إطلاق صواريخ «س ـ 300» على الطائرات الروسية في أغسطس 2008.

نظام الرئيس الأوكراني يوشينكو ينكر تماما تورطه في هذه القضية ويقول أن المعارضة هي التي تشيع هذه الشائعات لتشويه سمعته وقطع الطريق عليه للفوز بانتخابات الرئاسة المقبلة، ولكن معلومات الاستخبارات الروسية تؤكد صحة هذه الشائعات.

حيث تفيد بأن قادة حلف الناتو قاموا على مدى العام الماضي بإمداد جورجيا بتقنيات عسكرية حديثة، منها مائة مدرعة حربية، وثلاثين منظومة صواريخ، وبعض الطائرات المقاتلة، وعشرة سفن حربية، وأن هذه الأسلحة والعتاد العسكري تصل لجورجيا عبر أوكرانيا، كما يدور الحديث الآن عن إمداد جورجيا بدبابات ت72، ومحطة تجسس، وطائرات سوخوي 17 ومنظومة صواريخ زينيت إس ـ 300، وجميع هذه الأسلحة موجودة لدى أوكرانيا، وتفيد المعلومات الاستخباراتية بأن تسليم السلاح لجورجيا يتم سرا وبتمويل مباشر من واشنطن.

ما يقوم به النظام الأوكراني يعتبر مغامرة طائشة لا تقل خطورة عن مغامرات الرئيس الجورجي ساكاشفيلي، وما يخشاه الجميع أن يدفع الشعب الأوكراني ثمن هذه المغامرات الطائشة، خاصة في ظروف الأزمة المالية والاقتصادية التي تنتظر فيها أوكرانيا مساعدات ودعما كبيرا من روسيا التي تتحكم في إمدادات الطاقة لأوكرانيا.

هل يفكر نظام الرئيس يوشينكو في أوكرانيا في مصالح شعبه وبلده، أم أنه يتصور أن روسيا لن تجرؤ على الإضرار بالشعب الأوكراني للدرجة التي تتحمل معها تهديد أمنها ومصالحها في المنطقة.

كاتب أوكراني

vladi1949@mail.ru