هناك جديد في الحياة السياسية الفرنسية. فمنذ هزيمة المرشّحة الاشتراكية للانتخابات الرئاسية في عام 2007 السيدة سيغولين روايال أمام الرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي وحتى أيام قليلة ماضية كان الحديث يتكرر عن «أشلاء» معسكر اليسار الفرنسي عامة وعن الحزب الاشتراكي بشكل خاص.
معسكر مهزوم وحزب منقسم على ذاته، بعضه يهاجم البعض الآخر وأمينته الأولى السيدة مارتين اوبري لا تعرف من أية جهة تأتيها النيران. وقادته البارزون يغني كل منهم في وادٍ. بل جمع بعضهم أمتعته ورحل من الحزب للانضمام إلى معسكر الخصم، أي معسكر الرئيس الفرنسي الحالي، وليس أقلّهم شأنا وزير خارجية فرنسا اليوم برنار كوشنر.
لكن قبل أيام فقط بدت الصورة أقل سوادا بالنسبة للحزب الاشتراكي، بل لاح بصيص أمل في أفقه. هذا ما أكّد عليه المحللون والمعلقون بالإجماع تقريبا. فلماذا؟.
الحدث ـ المنعطف كان ذلك اللقاء المسمّى «جامعة الصيف» الذي ضمّته مدينة «روشيل» الفرنسية على ضفاف المحيط الأطلسي. لقد عرف الاشتراكيون في تلك المناسبة كيف يتجاوزون انقساماتهم ويتجنبون التلفّظ بتلك «الجمل الصغيرة» التي يراد منها «اغتيال» الرفاق. والأهم من هذا كلّه عرفوا كيف يؤكدون رفضهم لـ «موتهم المعلن» والقريب .
حيث وصف كُثر الحزب الاشتراكي واليسار الفرنسي عامة بـ «الجثّة الكبيرة» وأنه مصاب ب«حالة غيبوبة متقدّمة». وذهبت في نفس الاتجاه مئات، بل آلاف، المقالات التي زخرت فيها أعمدة صحافة الخصوم اليمينيين والأصدقاء اليساريين أيضا. لقد اتفقوا جميعا على القول إن الحزب الاشتراكي هو في طريق التهميش... والاضمحلال... بل والانطفاء.
ومن «روشيل» عرف الاشتراكيون كيف يتوجهون للفرنسيين بدلا من تبادل الاتهامات فيما بينهم. لقد حددوا خصمهم بوضوح وهو الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي، وحددوا هدف تحرّكهم في الفترة القادمة، وهو خوض معركة الانتخابات الرئاسية القادمة بمرشح واحد عن معسكر اليسار في عام 2012، وحددوا نهجهم القادم وهو التوجّه إلى «الحلفاء والشركاء» في منظور إقامة جبهة عريضة واحدة.
لعلّه الإحساس بالخطر هو الذي وحّد الاشتراكيين الفرنسيين. إن استطلاعات الرأي خلال الفترة الأخيرة كانت تشير كلّها، استطلاعا بعد آخر ولو بفاصل زمني قصير، إلى تردّي شعبية الاشتراكيين.
وفي مثل هذا السياق الذي كان يتهيأ فيه البعض ل«ردم التراب» على قوة سياسية أعطت ذات يوم غير بعيد أحد رؤساء الجمهورية الفرنسية الخامسة، التي أسسها الجنرال ديغول عام 1958، هو الرئيس فرانسوا ميتران، يقف الاشتراكيون ليعلنوا أن كل شيء ممكن والآن. للإشارة كان ميتران نفسه قد اختار في سياق مماثل تقريبا من تردّي الحزب الاشتراكي شعارا له يقول: «هنا والآن» وأصدر كتابا تحت هذا العنوان عام 1980، أي قبل عام واحد من فوزه برئاسة الجمهورية.
وتتمثل الخطوط الأساسية في التوجّه الجديد الذي أعلنته أمينته الأولى مارتين اوبري أمام كوادر الحزب الاشتراكي في «روشيل» بمنحيين. الأول هو تأكيد «المنعطف اليساري» لنهج الحزب على صعيد السياسات الاقتصادية والاجتماعية، مما يقلّص من هامش مزايدة اليسار المتطرّف. والمنحى الثاني هو التأكيد على ضرورة إقامة جبهة عريضة ضد الرئيس ساركوزي تضم الشيوعيين والخضر ووسط اليمين.
ولكن ينبغي أن لا يغيب عن الذهن أن مثل هذا التوجّه المزدوج يحمل في طيّاته نوعا من التناقض بين التأكيد على المنعطف اليساري الذي يجعل من الحزب الاشتراكي قوة سياسية معارضة ذات طبيعة نضالية وبين الدعوة لتأسيس جبهة عريضة مما يعني بوضوح التطلّع إلى العودة للحكم. وسيكون على الاشتراكيين إذن أن يختاروا بين إستراتيجية «النضال» وبين إستراتيجية «الحكم».
والجديد أيضا في «روشيل» هو اقتراح اللجوء إلى «انتخابات أوّلية» داخل معسكر اليسار وناخبيه لتعيين مرشح وحيد للانتخابات الرئاسية. ورغم الرفض السريع للحلفاء التقليديين للحزب الاشتراكي لهذا الاقتراح فإن اختيار مرشح واحد باسم اليسار يمثّل مطلبا من أجل مواجهة الرئيس ساركوزي الذي تدل جميع المؤشرات أنه سيخوض الانتخابات الرئاسية لعام 2012.
ما يدل عليه المشهد السياسي الفرنسي، وفيما هو أبعد من التفاصيل ومن سيتحالف مع من، هو أن الحزب الاشتراكي قد استيقظ بعد سنوات من السبات العميق. وعلى جميع الذين أسقطوه من حساباتهم في الداخل والخارج أن يأخذوا هذا المعطى في اعتبارهم. ففي هذا العالم «المعولم» يكتسي المشهد السياسي الفرنسي أهميته حتى لمن يعيشون على بعد آلاف الكيلومترات.
كاتب سوري ـ باريس
