في يونيو 1976 وقع ما أطلق عليه نظام نميري «الغزو الليبي». كانت حملة عسكرية كاسحة على العاصمة الخرطوم انطلقت من الأراضي الليبية بتدبير من قادة تجمع المعارضة السودانية المقيمين في ليبيا.

من المؤكد بالطبع أن العقيد القذافي تولى أمر التمويل وكلفة التدريب في معسكرات ليبية خاصة لكن من المؤكد أيضا أن الترتيب المباشر للحملة وتنفيذها كان من عمل «الجبهة الوطنية» - أي التجمع الائتلافي السوداني المضاد لنظام نميري والذي كان يتكون من«الحزب الاتحادي الديمقراطي» بقيادة الشريف الهندي و«حزب الأمة» بقيادة الصادق المهدي، بالإضافة إلى «الجبهة الإسلامية القومية».وكما هو معلوم أن الحملة انتهت إلى فشل ذريع خلال أيام معدودات.

كان الهدف ليس بأقل من الإطاحة بنظام نميري بعد سنوات من القطيعة الكاملة بين سودان نميري وليبيا القذافي. بدأت القطيعة بعد حملة القضاء على الشيوعيين في السودان التي تواطأ فيها القذافي مع نميري لأن نهاية الحملة أفرزت مفترق طرق أيديولوجي بين الزعيمين: نميري توجه فورا نحو الغرب، بينما كان القذافي يحمل راية القومية العربية المعادية للغرب آنذاك خاصة بعد رحيل عبد الناصر في عام 1970، حيث اعتبر القذافي في نفسه خليفة له في قيادة التيار القومي على مستوى العالم العربي بأكمله.

ومن هنا كان تحالف الزعيم الليبي مع فصائل المعارضة السودانية، معتبرا الرئيس السوداني عميلا للغرب.ورغم أنه جرت مصالحة وطنية بعد نحو عام من الغزو بين أقطاب المعارضة ونظام نميري (باستثناء الشريف الهندي) إلا أن العداء الليبي تجاه نميري ونظامه لم يتوقف إلى أن سقط نظام نميري في انتفاضة عام 1985م.

مع مقدم الديمقراطية الحزبية التعددية الثالثة ابتداء من عام 1986 فتحت صفحة جديدة من الود بين ليبيا والسودان. في هذه الأثناء ـ وفي أواخر عهد نميري ـ ظهرت على نحو فجائي «الحركة الشعبية» الجنوبية بقيادة جون قرنق فاشتعلت الحرب في الجنوب من جديد.

وفي ظل الحكومة الائتلافية الحزبية لم يتردد العقيد القذافي في تأييد الشمال ضد الجنوب ودعم القوات المسلحة السودانية بإمدادات متصلة من السلاح. وتواصل هذا الدعم حتى في عهد «الإنقاذ» بعد أن استولت الجبهة الإسلامية على السلطة بانقلاب عسكري في عام 1989م.

وجدير بالذكر في هذا السياق أنه عندما انفرد زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي محمد عثمان الميرغني في عام 1988 باتفاق ثنائي مع حركة قرنق فإنه كان في مقدمة بنود وثيقة الاتفاق شرط وضعه قرنق وهو أن تضع الحكومة السودانية نهاية لإمدادات السلاح القادمة من ليبيا.