هل من مكانة للعرب على الخريطة العالمية للنظام الدولي للمعلومات؟ وهل استوعب صانع القرار العربي أهمية هذا النظام ودوره الاستراتيجي في الحياة اليومية للمواطن العربي وللمؤسسة وللمجتمع في جميع المجالات ثقافيا أو اقتصاديا أو سياسيا أو اجتماعيا؟ هل مستلزمات وشروط التفاعل في هذا النظام متوفرة في العالم العربي أم أن الهوة تزيد اتساعا يوما بعد يوم بين الشمال والجنوب.

ما هي يا ترى انعكاسات النظام الدولي للمعلومات على الأنظمة السياسية والاجتماعية والثقافية؟ من دون أدنى شك فإن التداعيات ستكون كبيرة وهامة وستشمل الغني والفقير وجميع دول العالم بدون استثناء.

فتدفق الأخبار والمعلومات والبث المباشر عبر الأقمار الصناعية وشبكات الإنترنت كلها قنوات ووسائل قضت على الرقابة التقليدية وعلى سيطرة الحكومات والقيادات السياسية على ما يتعرض له البشر من معلومات وبيانات ومعطيات.

فالأمر إذن أصبح مع النظام الدولي للمعلومات يتوقف على كيفية التعامل مع هذا الكم الهائل من الأخبار والصور والمعلومات التي تتدفق بالملايين على البشر في جميع أنحاء العالم وبسرعة فائقة قد لا يتصورها عقل الإنسان.

فالنظام الجديد يتطلب القدرة على الغربلة والتأقلم واختيار ما يلائم المجتمع والفرد بكل حرية ومسؤولية، كما يتعلق الأمر كذلك بماذا نقدم للآخر وكيفية تسويق أفكارنا وصورتنا ووجهة نظرنا للآخر، والبقاء هنا سيكون للأصلح وللأقوى. فنحن إذن، أمام عالمية الثقافة والمعرفة وتداخل الثقافات ومن دون شك سيطرة ثقافة الأقوى والأكثر إمكانيات من حيث التكنولوجيا واللوجيستيك والبرمجيات والوسائل المادية.

وهكذا ستتجه شعوب العالم إلى الاهتمام أكثر فأكثر بالتعليم عن طريق الوسائط المتعددة وتكنولوجيا المعلومات بهدف رفع مستوى التعليم والمعرفة لدى الفرد العادي. التوجه الجديد يؤدي إلى انتشار اللغة الإنجليزية أكثر فأكثر وهيمننها على وسائل الثقافة العالمية حيث التوجه نحو النمطية والعالمية والأحادية حيث يفتح المجال واسعا أمام أباطرة الصناعات الثقافية للتلاحم والاندماج على حساب التعددية والتنوع واحترام خصوصيات الشعوب والأمم.

وهكذا نلاحظ يوما بعد يوم هيمنة وسيطرة الولايات المتحدة الأميركية على النظام الدولي للمعلومات والتحكم في مخرجاته كما تشاء ووفق ما يسطره بارونات الصناعات الثقافية والمعلوماتية. كما نلاحظ محاولات مستمرة ودؤوبة من قبل الاتحاد الأوروبي واليابان ودول جنوب شرق آسيا لمواجهة الطوفان الأميركي والاكتساح الكبير للولايات المتحدة الأميركية.

وإذا ألقينا نظرة خاطفة على مكونات النظام الدولي للمعلومات نجدها تتحدد في الحاسبات، الاتصالات والإنترنت، البرامج والبحث العلمي، وكمؤشرات استراتيجية في تحديد الفاعلين في هذا النظام نجد أن الولايات المتحدة الأميركية تتربع على العرش وبدون منافس.

ففي مجال الحاسبات تستحوذ الولايات المتحدة الأميركية على 36% من السوق العالمية و35% من سوق البرمجيات و65 من مستخدمي الإنترنت في العالم كما تنفق الولايات المتحدة الأميركية على البحث العلمي ما قيمته 179 بليون دولار.

هل من مكانة للوطن العربي في خريطة العالم المعلوماتية؟ وهل يملك الوطن العربي مستلزمات وشروط النظام الدولي للمعلومات؟ وهل شعوب الدول العربية مؤهلة فكريا وثقافيا وعلميا وماديا لمواكبة نظام لا يشفق ولا يرحم، نظام تسوده السرعة ويسوده الذكاء الاصطناعي والصناعة الإلكترونية والبريد الإلكتروني، عالم الكمبيوتر والإلكترونيات الدقيقة وهندسة الاتصالات والانفجار المعرفي وتقلص قيمة المكونات المادية وانهيار الحدود الجغرافية.

المؤشرات المادية كالحاسبات والبرمجيات والإنترنت والإنفاق على البحث العلمي كلها تدل على تخلف الدول العربية عن مواكبة النظام الدولي للمعلومات، لكن الأخطر من هذا هو الفكر والعقل والثقافة المعلوماتية هل هذه المكونات الفكرية والذهنية متوفرة في أذهان صاحب القرار وصانعه في الدول العربية وهل أن الأنظمة التعليمية في الوطن العربي وضعت ودرست بطريقة تواكب ما يحدث في العالم.

هل أن القيادات السياسية في الوطن العربي وبعيدا عن الروتين والبيروقراطية والفلكلور والتلميع والتملق تعمل على تحضير أجيال مؤهلة للتعامل مع لغة العصر ومستلزمات النظام الدولي للمعلومات، أي أجيال تتعامل وتتفاعل بكل حماس وروح تنافسية في صناعة تكنولوجيا المعلومات وصناعة الكمبيوتر والبرامج وصناعة الاتصالات وأخيرا صناعة العلم والمعرفة انطلاقا من مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية والاستشرافية.

هل أدرك صانع القرار في الوطن العربي الدور الإستراتيجي لهذه الصناعات وأهميتها في عصر التنافس على المعلومة وتكنولوجية صناعتها وتخزينها واستغلالها حيث أن قيمتها لا تضاهى ولا تنافسها في ذلك أية سلعة أخرى.مؤشرات كثيرة جدا مثل المستوى التعليمي والإنفاق على البحث العلمي والبنية التحتية لتكنولوجية وسائل الاتصال والأنظمة التعليمية والقائمة ما زالت طويلة مؤشرات كلها توحي بأن الطريق ما زال طويل وأن الهوة تزداد عمقا يوماً بعد يوم.

فهل سنرى مزيداً من الغزو والانجراف الثقافي والتجزئة والتخلف والتبعية أمام السيل الجارف لمخرجات الصناعات الثقافية الغربية وأباطرة الإعلام والاتصال، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل يتوفر المواطن العربي على المستلزمات الضرورية لحماية نفسه والدفاع عن هويته وشخصية ومخزونه الحضاري والثقافي؟ مهمة ليست سهلة على الإطلاق وتتطلب من كل عربي غيور على أصله وفصله أن يفكر جديا في هذا التحدي.

وقد حان الوقت أمام القيادات العربية من المحيط إلى الخليج بالتفكير في هذا الموضوع، وما لاحظناه مؤخرا من مبادرات مباركة من قبل العلامة «زويل» وغيره من قادة العلم والسياسة في بعض الدول العربية في مجال العلم والتكنولوجيا ومراكز الأبحاث والدراسات وكذلك المناطق الحرة لتكنولوجيا المعلومات والصناعات الثقافية ما هي إلا مبادرات تبشر بالخير وتبعث في أنفسنا آمالا كبيرة في الحصول على موقع مشرف في نظام دولي لا يرحم ولا يشفق على من يتأخر في التعامل معه باللغة الرقمية والمعلوماتية وصناعة المعرفة، ومن لا يكون فاعلاً فيه.

عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة

mokirat@sharjah.ac.ae