أثار قرار وزير العدل الأميركي بتعيين محقق خاص لبحث التجاوزات القانونية لوكالة المخابرات المركزية جدلا واسعا. فالقرار جاء مخالفا لما كان يريده البيت الأبيض بينما وجده البعض محدود القيمة ولا يتناسب مع حجم التجاوزات التي ارتكبت في عهد بوش.

أما بالنسبة للبيت الأبيض فقد أعلن أوباما منذ أن وصل للحكم أنه يصر على تجنب فتح ملفات إدارة بوش، وأكد المرة بعد الأخرى أنه يريد أن «ينظر للأمام لا للخلف» فيما يخص حماية الأمن القومي.

والحقيقة أن موقف أوباما نابع من رؤية بالغة البراجماتية. فالرئيس الأميركي يعلم جيدا أن رصيده السياسي ـ كرصيد أي رئيس ـ محدود وأن قدرته على تنفيذ أجندته السياسية في حاجة لذلك الرصيد كله، الأمر الذي يعي أنه لا يملك ترف إنفاق جزء منه في معارك أيديولوجية وسياسية شرسة مع خصومه الجمهوريين سوف تعمقها بالضرورة أية محاولة لمحاسبة إدارة بوش على جرائمها الداخلية والخارجية.

لكن إصرار أوباما على تجنب المسألة برمتها لا يعنى أن الأمر بيده ولا أن البيت الأبيض بمقدوره أن يسيطر على تطورات الأمور في هذا الصدد. فهناك قضايا رفعتها منظمات حقوقية أمام المحاكم اضطرت معها إدارة أوباما المرة بعد الأخرى للاستجابة لما لم تكن تريد الاستجابة له.

وتلك الاستجابات الاضطرارية تؤدى في واقع الأمر إلى نزع قناع السرية عن الكثير من المعلومات الأمر الذي يفرض بدوره قيودا على ما يمكن لإدارة أوباما أن تفعله. ولعل قرار وزير العدل مثال ممتاز في هذا الصدد.

فقد جاء هذا القرار بناء على تقرير نشر في الأساس لأن منظمة حقوقية طالبت بنشره فكان النشر في ذاته بمثابة ضغط لم يكن من الممكن لوزير العدل قانونا أن يصم أذنيه عما جاء فيه حتى لو أراد هو أو البيت الأبيض غير ذلك.

والقصة باختصار أن الاتحاد الأميركي للحريات المدنية، وهو أهم وأشهر المنظمات الحقوقية الأميركية قد أخذ على عاتقه منذ أحداث سبتمبر فضح ما كانت تقوم به إدارة بوش من تجاوزات قانونية سواء فيما يتعلق بالحريات المدنية في الداخل الأميركي أو الخارج أيضا. ومن ثم سعى لتوثيق تطور تعامل إدارة بوش مع المعتقلين.

وفى هذا السياق وفى إطار سلسلة من الإجراءات ـ رفع الاتحاد قضية أمام المحاكم يطالب فيها وفق قانون حرية المعلومات الأميركي بالإفراج عن تقرير كان قد أعده في 2004 المفتش القانوني التابع لوكالة المخابرات المركزية بخصوص معاملة الوكالة للمعتقلين بعد 11 سبتمبر.

وقد حكمت المحكمة فعلا في 2008 بالنشر ولكنه كان نشرا محدودا للغاية حيث اقتطعت أجزاء كاملة من التقرير بحجة حماية الأمن القومي. وقد استأنف الاتحاد الحكم في وقت انتقلت فيه السلطة التنفيذية من إدارة بوش لإدارة أوباما.

وقد ظلت إدارة أوباما ـ ممثلة في وزارة العدل ـ تماطل وتطلب من المحكمة التأجيل إلى أن اضطرت الأسبوع الماضي لنشر أجزاء أكبر من التقرير وإن ظلت أيضا بعض أجزائه سرية حتى الآن.

والتقرير يفضح في الواقع عددا من الجرائم التي ارتكبت في عهد بوش. فالمفتش العام وفريقه الذي كتب التقرير كان قد اطلع- ضمن وثائق أخرى ـ على شرائط الفيديو التي أعدمتها وكالة المخابرات بشكل غير قانوني وكانت تسجل بالصوت والصورة عمليات التحقيق مع كل من أبى زبيدة والناشري وما انطوت عليه من عمليات تعذيب بشعة. بعبارة أخرى، يضم التقرير ليس فقط تحليلا لأداء وكالة المخابرات وانما أيضا معلومات تم إعدام الأدلة التي تثبتها.

لكن الأهم من ذلك أن التقرير يفضح أيضا ما كان القانونيون الذين عينهم بوش قد ارتكبوه من محاولات فجة لتطويع القانون ولي رقبته ليسمح بممارسة التعذيب. فقد ذكر التقرير مثلا أن أولئك القانونيين أجازوا الحرمان من النوم لمدة 11 يوما واعتبروه لا يمثل تعذيبا على عكس ما هو متعارف عليه دوليا.

الأخطر من ذلك أن التقرير يقول صراحة إنه رغم كل ما أجازه ترزية القانون في عهد بوش إلا أن القائمين على التحقيق مع المعتقلين قد تجاوزوا حتى تلك الحدود الفضفاضة بين ما يمثل وما لا يمثل تعذيبا واتبعوا أساليب لم تتم إجازتها أصلا.

ومن هنا جاء قرار وزير العدل الذي قضى بتعيين محقق خاص للبحث فيما إذا كان القائمون على التحقيق مع المعتقلين من العاملين في وكالة المخابرات المركزية قد ارتكبوا تجاوزات تذهب لما هو أبعد مما أجازه القانونيون في وزارة العدل في عهد بوش. والقرار كما هو واضح يظهر بجلاء الأبعاد المركبة للموقف ومصدر الجدل الشديد حوله. فنشر تلك التفاصيل لم يترك خيارا آخر للوزير.

فهو بحكم وظيفته لا يمكنه أن يغض الطرف عن تجاوزات سجلها تقرير رسمي، بغض النظر عن الموقف السياسي للبيت الأبيض. وفى الوقت نفسه، جاء قرار الوزير بالفعل محدودا للغاية في نطاقه.

فهو يفتح تحقيقا في التجاوزات التي لم يجزها ترزية القوانين في عهد بوش ولكنه لا يتطرق إطلاقا إلى دور أولئك الترزية ولا يطول وهو الأهم كبار السياسيين في عهد بوش والذين كانوا وراء ذلك كله.

لكن رغم محدودية نطاق التحقيق الذى سيجرى، إلا أنه من المستحيل ؟ مهما أرادت وزارة العدل بل وأوباما نفسه ـ معرفة ما قد يؤول إليه الأمر في النهاية. فالتحقيق نفسه وما سوف يسفر عنه ـ فضلا عما يمكن أن يسفر عنه نزع السرية عن مذكرات أخرى- قد يؤدى في النهاية إلى تغير مسار الموضوع برمته على نحو يطول أكثر من أولئك العاملين بالوكالة الذين كانوا في النهاية ينفذون أوامر عليا أو يعملون في إطارها.

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com