من داخل الخرطوم أعلن العقيد القذافي مخاطبا حشدا جماهيريا ضخما «سقوط اليمين واليسار».كان ذلك في عام 1970، ولما يمضي على الثورة الليبية ثمانية شهور بينما كانت ثورة «25 مايو» في السودان بقيادة جعفر نميري تحتفل بذكراها الأولى.

«اليمين» في إعلان الزعيم الليبي الثائر كان إشارة إلى الأحزاب السودانية التقليدية التي حظرتها ثورة نميري وصحبه. أما «اليسار» فقد كان المقصود به الشخصيات الشيوعية التي شاركت نميري ومجموعة «الضباط الأحرار» في تدبير وتنفيذ الحركة الانقلابية السودانية.

كان ذلك إيذانا بقيام تحالف بين القذافي ونميري من أجل تصفية النفوذ الشيوعي في سلطة «25 مايو»، ومنذ ذلك الحين وحتى سقوط نظام الدكتاتور نميري في عام 1985، ظل لليبيا حضور قوي في الساحة السياسية السودانية دون انقطاع يذكر اتخذ أشكالا ومقاصد مختلفة ومتناقضة، يبقى هذا الحضور القوي من خلال الدور الليبي الكبير في تفاعلات أزمة دارفور فاعلا حتى يومنا هذا.

لذا أنظر بمنظار دهشة إلى تلك الضجة التي أثيرت في الخرطوم بشأن ما أدلى به القذافي من تصريح أعلن فيه عن تحبيذه وتأييده لانفصال جنوب السودان، ودهشتي تنبثق من سجل العلاقات التاريخية بين ليبيا والسودان، فماذا يقول التاريخ القريب؟

منذ الوهلة الأولى لانقلاب 25 مايو 1969 كان نميري يضمر تصفية الوجود الشيوعي في السلطة لكنه كان يتحين حلول فرصة ملائمة. وجاءت هذه الفرصة في يوليو 1971، عندما تمكن من إحراز انتصار عسكري على حركة انقلابية من تدبير ضباط ينتمون إلى الحزب الشيوعي بقيادة الرائد هاشم العطا.

لقد اهتزت سلطة الحركة الانقلابية الشيوعية عندما أصدر القذافي أمرا بإجبار طائرة ركاب بريطانية على الهبوط في مطار طرابلس كان من بين ركاب الطائرة وهي تعبر الأجواء الليبية قادمة من لندن ومتوجهة إلى الخرطوم المقدم بابكر النور رئيس مجلس الثورة الذي شكله الرائد العطا وزميله الرائد فاروق عثمان حمد الله عضو المجلس، ومن ثم قام العقيد القذافي بتسليم الرجلين إلى النميري بعد أن نجح في استرداد سلطته.

ومن ثم، وبتشجيع من القائد الليبي، استثمر نميري الجو الهستيري الذي خلفه تحركه الناجح ضد الانقلاب الشيوعي فأمر بتشكيل محاكم عسكرية ميدانية حكمت بإعدام ليس فقط الانقلابيين العسكريين، بل أيضا إعدام القيادات الرئيسية في الحزب الشيوعي، عبد الخالق محجوب والشيخ أحمد الشيخ، وجوزيف قرنق، لكن شهر العسل بين القذافي ونميري لم يستمر طويلا.

opinion@albayan.ae