ثقافة الخلافات العربية خرجت من الهواية للتأصيل والتكريس، ولا ندري كيف أن مجتمعات دون ثقافتنا ونضجنا الاجتماعي، وتجاربنا الطويلة، ارتفعت في مستوى علاقاتها إلى التجانس ومراعاة المصالح والروابط السياسية التي لم تعد الهمّ الأكبر، بل الرؤية للمستقبل البعيد الذي بدأ يشيد معماراً جديداً في تأسيس أعمال تبنى على تبادل المنافع، وحصر الخلافات في الأمور التي تقبل الحوار والاتفاق؟
لازال شرقنا يغوص في قضاياه المعقدة والتي لم تعد هماً بين السلطات بل اتسعت إلى فضاء الشعوب بتعقيدات تمس جذور الوحدة الوطنية، بإثارة نعرات القبيلة، والطائفية والقومية أو تصدير هذه القضايا إلى الجوار لنقل نفس الأمراض وعدواها المنتشرة والتي جاءت على حساب التنمية البشرية والاقتصادية، لأن الخلل الأمني أيا كان مصدره أو منبته يعد العائق الأساسي لتطور المؤسسات وإشادة البناء بمستوياته المختلفة وضروراته الأساسية..
لم تنجح الاجتماعات والمفاوضات بيننا على مستوى القمة والسفح، ولم نتفق على لون معين يُخرجنا من الألوان الضبابية، بحيث تتضح الرؤية ويعتدل مناخ المصالحة ليتحول إلى ميثاق عمل ملزم، وحتى المحايد في هذه الصراعات صار منحازاً تبعاً للظروف سريعة التغير، حتى إن المغرب العربي الذي يعتبر أكثر نضجاً بتماسه الاجتماعي والثقافي ، وجواره مع الغرب تحول إلى نمط لا يختلف عن المشرق عندما أُغلقت الحدود وصار التبادل الاقتصادي في أدنى مستوياته في الوقت الذي تركض هذه الدول للحصول على عضوية ما يسمى بالدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط ، بينما تشكل بتعاونها قيمة ذاتية مؤثرة بإمكاناتها الاقتصادية وثرواتها الطبيعية والبشرية..
فالثقافة لم تعد المعيار للنزاهة والاستقامة عندما تصبح وسيلة لإشاعة الحرب الباردة بين النظم العربية، وجزءاً من فساد عام يفاضل فيه المثقف بين وطنيته ومنافعه الشخصية التي تتواتر من الخارج، وحتى المحايد بين حروب القبائل الحديثة لا يستطيع أن يقف بين التيارات الجارفة، ولذلك لم يكن غريباً أن يتمنى كل بلد عربي جواراً مع دولة أجنبية مستقرة، أو عودة المستعمر حتى بسيئاته، طالما مَن تسلّم السلطة جاء بقسوة أكثر شراسة منه..
تصوروا بعض الكُتَّاب العرب عندما يلعن كل من عمل بالخليج، لأن من عادوا تعلموا ثقافة الاستهلاك والبرجوازية وقلة العطاء، وكأن الحصول على دخل مميز هو مشكلة أخلاقية، بينما من عملوا من كوريين وفلبينيين وهنود وغيرهم، وفروا لبلدانهم مداخيل هائلة بنت مصانع وورش عمل وعمارات وغيرها، ولازال العديد من تلك العمالة يسعى للعمل بهذه الدول لأنه لا يفتقد حس المنفعة ومضاعفة التجربة..
هذه الحدود التي يكرّس عزلتها المثقف العربي ويضعها جزءاً من وعي سلبي، تؤكد أن القضية ليست سياسية فقط، وإنما هي نزعة حادة ضد من يملك ومن لا يملك ، وبين من يوجّه مصادر دخله للتنمية ، والآخر الذي لازالت بوصلته تعوم بدون اتجاه، وهذه الفوارق تشكل الأزمة النفسية والتفاعلية مع العربي، المثقف قبل الجاهل، ولن نستطيع تغيير الإرادات ما لم تتغيّر السلوكيات التي جعلتنا بالسلم الأخير في العالم كله..
