ثمة حالة فريدة ملازمة للوضع اللبناني في إطاره الشعبي منذ زمن بعيد، وهي قد تكون مكمّلة أو محفّزة لحالة التخبط التي يعاني منها المجتمع في شقّه السياسي. ويؤمن البعض، بأن هذه الحالة قد تكون في الواقع جزءاً أساسياً من فسيفساء الأسباب التي تمنع تطور العمل السياسي في لبنان بالشكل الذي يجعله على قدر من طموح الكثيرين: أي أن يكون عملاً ديمقراطياً بكل معنى الكلمة، بعيداً بشكل جذري عن التشويهات الملازمة له بسبب الإصرار على جعل الطائفية منطلقاً أوحداً لكل ما هو مرتبط بالعمل السياسي.

الحالة المقصودة هنا هي ظاهرة الانتماء الأعمى التي يتقن اللبنانيون ممارستها بكل «إخلاص»، والتي تكون في وضع كهذا خطيرة وقاتلة في آن لأنها تنطلق كما ذكرنا سابقاً من اعتبارات ذاتية ضيّقة تجعل من الولاء للطائفة أساساً لكل ما قد يتفرع لاحقاً من مشاعر أي كان تجاه وطنه الأكبر. بهذا، يصبح الوطن الحاضن للجميع مجرداً من أي اعتبار انتمائي حقيقي، بل يصبح الولاء له مجرد شعارات فارغة تستخدمها القوى لتبرر تصرفاتها على الأرض، وكذا للمطالبة بالمكاسب المختلفة في مؤسسات الدولة.

وتترافق هذه الحالة مع ظاهرة أكثر خطورة تتمثل في قبول مكونات الشعب بكل أطيافه الفاعلة (توجد بعض الاستثناءات طبعاً) بالتدخلات الأجنبية الكثيرة التي تحاول توجيه دفة القيادة في لبنان بالشكل الذي يخدم تطلّعاتها. وقد بدا ذلك بشكل واضح منذ استقلال لبنان عندما كانت القوى السياسية تسعى لتأمين الغطاء الإقليمي والدولي لتحركاتها وأهدافها الداخلية، في حين كانت الفئات الشعبية المؤيدة لها تغض النظر عن ذلك بشكل غريب.

ويحدث هذا انطلاقاً من حالة الانتماء الأعمى التي سبقت الإشارة لها، بحيث تكون هذه الفئات مؤمنة، لأسباب قد تكون مرتبطة بالجهل السياسي أو بالتقاليد القبلية والطائفية المتوارثة، بأن ما تقوم به الطبقة السياسية المعنية هو الأصلح لتحقيق مصالحها كطبقة شعبية وطائفية.

وبالتالي لا يكون لدى تلك الفئات برنامج سياسي تلتزمه لدفع تطور الوطن وتقدمه، ولا أية وجهة نظر ذات مغزى استراتيجي وطني تعتمد عليها، لأنها حصرت تلك المهمة السامية بمن يمثلها في الساحة السياسية المحلية من زعماء وعائلات إقطاعية قديمة أو حديثة.

أما من ينتمي في خياره الشعبي للقوى السياسية التي تحمل مشروعاً إيديولوجياً يسارياً أم يمينياً أم دينياً، فإنه لا يختلف كثيراً في انتمائه الأعمى عن الطبقة الأولى التي تحدثنا عنها، وذلك انطلاقاً من بعض الاعتبارات التي اختصرها على الشكل التالي:

- يكون انتماء الفئات الشعبية لهذه التيارات منطلقاً أيضاً من اعتبارات ذاتية ضيّقة، بحيث يغلب الشعور الطائفي على الوطني (بمعنى الانتماء للوطن الموحد)، وهو ما تبيّنه تركيبة الأحزاب اللبنانية من أقصاها إلى أقصاها، باستثناء بعض الحالات الإيديولوجية النادرة التي لا تعتمد الطائفية كأساس لتطورها السياسي مثل الحزبين القومي السوري والشيوعي، في حين نرى أن الحزب التقدمي الاشتراكي الذي من المفترض أن يشكل حالة متقدّمة على صعيد مكافحة الطائفية السياسية، يتوه بشكل فريد بين الانتمائين الطائفي والوطني.

وكان من الممكن لتيّاري الوطني الحر والمستقبل أن يلعبا دوراً، لافتاً في تحقيق التغيير المنشود، لكن تجارب الأعوام القليلة الماضية أثبتت عكس ذلك تماماً بحيث كان كل منهما يعود في النهاية إلى قواعده الطائفية.

- الفئات الشعبية أي ضغط ذا تأثير كبير على الأحزاب والقوى التي تنتمي إليها، وذلك لأنها تسير خلفها بخطوات ثابتة حتى لو كانت الأهداف المعلنة خاطئة أو مضرة بالوطن الجامع. وقد أثبتت التجارب المفصلية الكثيرة التي عصفت بالوطن صحة هذا التحليل، حيث لم نشهد حتى الآن بروز حالة شعبية مناهضة لتوجهات القوى السياسية الفاعلة، ولم نر ضغطاً حقيقياً على تلك الأحزاب لكي تغيّر من أسلوبها أو نهجها أو خيارها.

أما التغييرات التي شهدناه خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة، فلا تعكس في الواقع أية صورة لافتة عن الفكر الشعبي وارتباطه بهذه القوى أو تلك، لأن طريقة تنظيم الانتخابات هي أصلاً عليلة وتنطلق من حسابات طائفية لا وطنية، ولا تعكس بالتالي تمثيلاً صحيحاً بأي شكل من الأشكال.

- مع الأخذ بعين الاعتبار أن المقاومة الإسلامية في لبنان تمكّنت ذات يوم من تحقيق التفاف شعبي وطني مخلص لها، لكن هذا تغيّر في مراحل لاحقة لينفصل بين معسكرين شعبيّين: الأول طائفي مخلص ينتمي للمجتمع الشعبي الذي انطلقت من رحمه المقاومة الإسلامية، والثاني متنوع لكنه انتهازي في إبداء تعاطفه مع المقاومة، لاعتبارات آنية ومرحلية قد تنتهي عندما ترتئي الطبقة السياسية التي تسيّر هذا المعسكر بأن دور المقاومة قد انتهى.

ولا شك بأنه كان من الممكن للمقاومة في لبنان أن تتحول من خلال ممارساتها الصحيحة إلى حالة جامعة تتشرف الفئات الشعبية كافة بالانتماء إليها، لكنها أصرت للأسف على البقاء في صبغتها الطائفية بالرغم من أن جوهر انطلاقها كان وطنياً عن حق.

في ضوء كل ما سبق نرى ان خطورة ما يجري في لبنان هو أن القوى المتفرقة باتت تملك في الواقع معسكرات شعبية تابعة لها لكنها متفرقة أيضاً في طريقة انتمائها للوطن. وهذا أمر ليس مبالغ به على الإطلاق، حيث يكفي إجراء استطلاع بسيط بين مختلف المناطق للإطلاع على آرائهم وتنوع انتماءاتهم «الوطنية».

ما يثير الرعب الحقيقي في كل ما يجري هو أن وسائل الرقابة الديمقراطية من وسائل إعلام ومجتمع مدني تبدو مشلولة تماماً في مواجهة هذه الآفة الخطيرة. كيف لا والأولى مملوكة بغالبها من قبل القوى السياسية ـ الطائفية الفاعلة، في حين أن الثانية لا تزال تبحث عن طريقة لتفعيل دورها المهم جداً.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz