في منتصف تسعينات القرن الماضي حضرت مؤتمرين مختلفين لمسؤولي المدن العالمية، وذلك لبحث أهم التحديات التي تواجه المدن الكبرى، خاصة المدن التي لديها إمكانيات التوسع، وكان التركيز على ما سوف يواجهه المجتمع المدني في القرن المقبل ومدى انعكاسه على السكان.

في المؤتمر الأول حدد المجتمعون الأسباب في مشكلتين لا ثالث لهما:

1 ـ التلوث البيئي ومدى خطورته والأضرار الناتجة عنه.

2 ـ مشكلة الازدحام المروري في المدن الكبيرة وتزايد أعداد السيارات ووسائل النقل بزيادة عدد السكان، وما يترتب عن ذلك من سلبيات ومخاطر مضرة بصحة الإنسان.

أما المؤتمر الثاني فلقد انعقد لإيجاد حلول لهاتين المشكلتين، ففرضت مشكلة الازدحام المروري نفسها كأهم نقطة، وطرح خبراء في هذا المجال عدة أفكار وأوراق عمل للمناقشة.

وأذكر على سبيل المثال لا الحصر، اقتراحين غريبين من خبيرين مختلفين، أول اقتراح طرح بعد محاضرة طويلة ومملة، وهو فكرة تنقل السيارات الثقيلة وشاحنات نقل البضائع ليلاً، وتنقل السيارات الخفيفة أثناء النهار، وقدم الخبير للمؤتمر الدراسة التي قام بها.

فرد عليه البعض بأنه بهذا الأسلوب لن يكون نهار ساكن المدينة نهاراً ولا ليله ليلاً، والتوتر الذي يعانيه بسبب الازدحام المروري نهاراً قد يتضاعف بسبب الضجيج ليلاً!!.

أما الاقتراح الثاني فكان عن فكرة استخدام وسائل النقل القديمة كـ «الركشة» أي العربة المرتبة بحصان كبديل، لكن بأسلوب حديث حيث يتم ربطها بجهاز آلي!!.

شخصياً اتضح لي خلال الاستماع لهم سعة صدر المسؤولين الأوروبيين ومدى التفهم لحجم المشكلة والبقاء على كراسيهم ساعات وساعات لسماع مثل هذه الأفكار التي لو كان العرب قد سمعوا مثلها لانسحبوا خلال دقائق وقالوا عنها سخافات لا داعي لسماعها!!.

لكن بالاستماع للآخرين والاستفادة من أفكارهم تأتي الحلول، لأن النتيجة في النهاية ليست بما تسمع، بل بما تتمنى تحقيقه وتتبناه من الرؤى والأفكار.

دار الحوار حول هذين الاقتراحين وغيرهما، وخرج المؤتمر بتوصيات منها ان السيارة ووسائل النقل ضرورية لاستمرار الحياة، مع اعترافهم بخطورتها على صحة الإنسان لكن لا يمكن العيش بدونها، فالمدن تكبر وتتسع وكلما تزايد عدد سكانها كلما زاد استخدام السيارات لذلك لابد من الاهتمام بوسائل النقل العام كبديل ورفع مستوى أدائها وتنظيمها، وفي هذا الخصوص دعا المؤتمر إلى توفير باصات عامة بمستوى أفضل، مع تزويدها بوسائل للراحة مثل مكيف الهواء الحار والبارد حسب متطلبات الطقس، والتلفزيون وكذلك رفع مستوى قطار المدينة «أي المترو»، لأن هذه الوسائل سيكون لها دور كبير في حياة الفرد وبالتالي سيزداد استخدامها.

أما بالنسبة للسيارات الخفيفة فمن ضمن الأفكار التي طرحت فكرة تشجيع الحكومات لمصانع السيارات بإنتاج سيارات صغيرة الحجم وصناعة سيارات تستخدم الغاز والكهرباء، وفرض ضرائب على مستخدميها للتقليل من أعدادها في المدن/أو البديل كما قلت توفير وسائل نقل عام بأعلى مستوى لتتماشى مع متطلبات الفرد مهما كان موقعه وشخصيته لتشجيعه على استخدامها.

من هنا بدأت مدن كبيرة في تطبيق هذا النظام وبهذا الأسلوب، فرفعت فرنسا وباريس بالذات من مستوى مترو الأنفاق، وكذلك فعلت بعض الدول الاسكندنافية وبعض المدن الكندية والأميركية، أما في آسيا فسنغافورة لديها أحدث مترو أنفاق والذي يتمتع بكفاءة عالية قد تكون أحسن من أوروبا، حيث ترتبط محطات القطارات فيها بنظام الحافلات العامة بطريقة تعرف باسم «من الباب إلى الباب»، وتعني ضمان إيصال الراكب من باب منزله إلى مقر عمله في أسرع وقت، وباستخدام المواصلات العامة.

كذلك تقبلت مصانع السيارات فكرة تغيير حجمها، فبدأت بتصنيع سيارات بإمكانيات متطورة لكنها صغيرة الحجم، خاصة في الولايات المتحدة التي كنا نشاهد فيها السيارات الطويلة الحجم، كما استطاعت فرنسا فرض رسوم على السيارات الخاصة فقللت من أعدادها على الطرقات في السنوات الماضية مقارنة بزيادة عدد السكان، بحيث أصبح عدد السيارات المستخدمة من الأفراد، أقل مما كان عليه.

من هنا برزت فكرة مشروع.. مترو دبي، حيث وضعنا في الاعتبار أن يكون الأحدث مع التركيز على النواحي البيئية بحيث لا تشكل القطارات أية أضرار على البيئة حتى لو كانت بسيطة، مع أننا كنا نفضلها تحت الأرض كلها، وهذه قصة أخرى.

في طريق عودتي من المؤتمر تعرفت في الطائرة على شخصية في شركة بومبردير الكندية ٍُقفْليمْ ودعوته بصفة شخصية لزيارة مدينة دبي لأنه كما قال لم يزر من قبل مدن الشرق الأوسط. فأعجب بالمدينة والتطورات الحاصلة فيها، وبعد سفره بأيام أرسل إلي عبر البريد هدية عبارة عن كاتلوج وفكرة إنشاء مترو دبي، فأعجبت وتحمست للمشروع الذي روادتني فكرته في المؤتمر، وعرضت الفكرة المبدئية على قيادتنا الرشيدة ومن ثم تم عرض مراحل المشروع ببرنامج عملي وأفلام وتصورات مستقبلية بالصوت والصورة، فأعطوا توجيهاتهم وتعليماتهم بتنفيذ المشروع.

وها نحن بعد مرور أكثر من عشر سنوات نشاهد دبي تسبق مدناً بحجمها بإنشاء أول مترو في المنطقة ليضاف إلى باقي انجازاتها.

لكن ماذا بعد، فالمترو ليس الحل الوحيد ولابد من التفكير لإيجاد حلول لتفادي مشكلات الازدحام، لأنه مشكلة القرن ومشكلة كل مدن العالم، فدبي تنمو وتكبر وتتوسع وستواجه كل ما تواجهه مدن العالم من التحديات.

فهناك مدن في الشرق الأوسط لم تكن لديها مشكلات في منتصف القرن الماضي، وكانت مدناً نظيفة وجميلة في الوقت الذي لم تكن لدينا في دبي وفي مدن الدولة طريق مبلط. فكيف وأين أصبحت هذه المدن حالياً؟.

لأن المسؤولين فيها لم يفكروا في أسلوب للمحافظة عليها لمواكبة التطور والتقدم، بل حتى لو فكروا لم يضعوا في اعتبارهم المشكلات المقبلة ويخططوا لتفاديها.

لكن واقعنا يختلف فنحن نعيش في قرن يمكن التحكم فيه في كل شيء، فدبي مدينة حديثة وجديدة وكل شيء فيها قابل للتطور، شأنها شأن كل مدن الدولة، فبالاستماع إلى أفكار جديدة تواكب متطلبات تطور ورقي المدينة حتى لو لم نأخذ بها كما حدث في المؤتمر، ستظل دبي دانة الدنيا.

وللحديث بقية

Sultan654@hotmail.com