شهد مسار«المصالحة» في أفغانستان، الذي أطلق بعد الغزو الأميركي لهذا البلد من آسيا الوسطى، وإسقاط نظام «طالبان»في نهاية سنة 2001، يوم الخميس 20 أغسطس 2009، التحدي الأكثر جدية، مع إجراء الانتخابات الرئاسية تحت الاحتلال الأميركي والأطلسي منذ ثماني سنوات.

ويؤكد المحللون في الغرب على أن الحرب الدائرة في أفغانستان بين القوات الأميركية والأطلسية من جهة وقوات حركة «طالبان» من جهة أخرى، متماثلة إلى حد كبير مع الحرب في فيتنام، من أوجه عديدة، كون المقاومة المسلحة في البلدين الآسيويين تواجه عدواً مشتركاً هو أميركا، علما أن فيتنام وأفغانستان هزمتا قوتين استعماريتين أوروبيتين في حرب عصابات هما فرنسا وبريطانيا، قبل التدخل العسكري الأميركي.

وتقول مجلة «فورين بوليسي»في مقالها: «أفغانستان اليوم هي فيتنام الأمس أخطاء تتكرر وحكومات بلا شرعية »: في الحالتين، كانت الحروب برّيّة في آسيا، بخطوط لوجيستية تمتد على طول يتخطى التسعة آلاف ميل، وتضاريس قاسية يخترقها القليل من الطرقات، مما ألغى المزايا الأميركية في القدرة على التنقل والقوة المدفعية. كما تكشف عناصر مهمة أخرى تشابها مفاجئا: حوالي 80 في المئة من السكان في البلدين كانوا يعيشون في المناطق الريفية، فيما تجاوزت الأمية نسبة التسعين في المئة.

وفي الوقت الذي تتراخى فيه الديمقراطيات الغربية تحت وطأة شمس الصيف الحارقة، يتحدد قسم استراتيجي من التوازن العالمي في أفغانستان بسبب الانتخابات الرئاسية التي جرت مؤخرا، حيث تثير تدني نسبة المشاركة فيها التي لم تتجاوز 35 في المئة أسئلة حول شرعية المرشح الفائز، ولاسيما في ظل نجاح حركة «طالبان» في عرقلة الانتخابات الرئاسية، الأمر الذي يقود إلى التشكيك بشرعية نتائجها.

وبصرف النظر من الذي سيفوز في هذا الاستحقاق الانتخابي، سواء الرئيس المنتهية ولايته حامد قرضاي، حيث تشير عملية فرز أصوات الانتخابات عند نسبة 17 في المئة من عدد أقلام الاقتراع التي بلغ عددها 6200، على تقدمه بنسبة 43 في المئة، أم منافسه وزير خارجيته السابق عبد الله عبد الله الذي لم يحصل إلى حد الآن سوى 34 في المئة من الأصوات، فإن الرئيس المقبل لأفغانستان سيواجه تحديات صعبة خلال المرحلة المقبلة.

فالولايات المتحدة الأميركية التي تمارس هيمنة مطلقة على مسار الأحداث في أفغانستان منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، أسهمت في خلق وعي قومي أفغاني حاد على مرّ سنوات الاحتلال ـ هو وريث ل«مملكة أفغانستان» التي عجزت القوى الإمبراطورية الأوروبية على احتلالها.

ثم إن الرئيس الأفغاني حامد قرضاي الذي يعتبر رجل أميركا، قد بدأ ينتهج منذ سنة 2008 سياسة وطنية، في محاولة منه لإيجاد قوى موازية للتأثير الذي تمارسه كل من واشنطن ولندن، اللتين تعتبران بسبب تدخلهما المباشر قوتي احتلال في نظر الشعب الأفغاني. وقد استفادت من هذا الانفتاح الذي مارسه قرضاي ثلاث قوى إقليمية: روسيا وإيران والصين، الأمر الذي جعل الجيوبوليتيك الأفغاني متعدد الأقطاب.

وتعتبر روسيا دولة آسيوية لها طموحات إقليمية مشروعة، إذ خاضت صراعاً مريرا ضد الإمبراطورية البريطانية للسيطرة على أفغانستان طيلة القرن التاسع عشر، ولكن من دون فائدة. وتحقق الغزو السوفييتي لأفغانستان في 27 ديسمبر 1979، ولكنه تحول إلى كارثة أسهمت في انهيار الاتحاد السوفييتي لاحقا.

ويمكن لهذه الخريطة الجيوبوليتيكية الجديدة أن تسهم في إيجاد مخرج للأزمة الأفغانية، التي يبحث عنها الأميركيون والحلف الأطلسي والأمم المتحدة، وذلك عبر فتح باب الحوار مع حركة «طالبان»، أو«المعتدلين »منها، الأمر الذي سيتطلب تدخل كل من المملكة العربية السعودية وباكستان. ولما كانت القومية الأفغانية تعتبر باكستان خصماً بسبب تدخلها المستمر في الشؤون الأفغانية، فإن المملكة السعودية نظراً لصداقتها لباكستان، ومساندتها لنظام «طالبان» في السابق، ومكانتها في العالم الإسلامي، يمكن أن تلعب دور الوسيط، في ظل تعقد الجيوبوليتيك الأفغاني.

فهل حان الوقت لانطلاق الحوار حول تحقيق السلام، والتحرر من النفاق الغربي؟

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net. org