تبدو الأزمة بين العراق وسوريا، وكأنها في سباق بين التأزيم والتطويق. التصعيد يتزايد. وأيضاً الوساطات. آخرها كان دخول الجامعة العربية على خطّها. دخول ضروري ولو أنه تأخر. كان من الطبيعي أن يسبق دول الجوار.
كل الأدوار مطلوبة لاحتواء التوتر المتسارع بين البلدين الشقيقين. لكن الدور العربي أولى. فهو المعني المباشر. على أن أهميته تبقى مرهونة بفعاليته. على الأقل لجهة إعادة فتح قنوات الحوار والتواصل المباشر بين بغداد ودمشق. النجاح في ذلك، يكون الخطوة الأولى لاستعادة المبادرة ووضع الأمور في نصابها.
الواضح من مجريات الأزمة خلال الأيام القليلة الماضية، أن ارتفاع منسوب التراشق حصل في ظلّ انقطاع التواصل المباشر بين البلدين. وكل ما مضى يوم على هذه الحالة، كان الخطاب يحتدّ زيادة. وهذا بدوره أدّى إلى توسّع الفجوة وبالتالي إلى زيادة التعقيد وصعوبة التراجع. لا العراق الغارق بهمومه، بحاجة إلى أزمة جديدة.
ولا لسوريا مصلحة فيها. لا يخرج منها رابح. اجتنابها يعفي الجارين من صداع، يزيد من المتاعب. اقرب المداخل وأنجعها، الجلوس على الطاولة؛ وجهاً لوجه، للتداول بالهواجس والمطالب والبحث عن تسوية لها. الاعتراف بالمشكلة، خطوة أولى باتجاه تجاوزها. حسابات الاستقرار ينبغي أن تتقدم على سواها.
العراق يمر في مرحلة انتقالية دقيقة. يعاني مؤخراً من عودة شبح العنف المفجع. الفتنة رجعت تطل برأسها. اضطراب حبل الأمن يهدّد عبوره نحو استتباب الوضع، بعد انسحاب القوات الأميركية من المدن. لاسيما وهو على أبواب استحقاق انتخابي هام. وهذا يزيد من حساسية العامل الأمني ويجعله سريع الالتهاب.
خاصة وأن النزيف العراقي طال أمده وكبرت فاتورته. لكل ذلك يصبح من المفهوم مدى الأهمية التي تعلقّها بغداد على هدوء الجبهة الداخلية؛ التي لا ينكر أحد أن صواعقها عديدة ومتنوعة المنابت. من حق العراق أن يخرج من نفق الدواّمة الدموية.
ومن الطبيعي أن يكون لسوريا مصلحة في هدوء العراق المفقود في المعادلة هو وضع الآليات المطلوبة لضمان الاستقرار المشترك. وذلك لا يتحقق طالما بقي التراشق لغة التعامل مع الوضع القائم.
الوساطات مرغوبة ومطلوبة، طالما كان لها القدرة على المساهمة في حلحلة الأزمة وتسهيل كسر جليدها. لكنها لا تحل مكان التعاطي المباشر، من جانب أصحاب العلاقة، مع الموضوع. مع انضمام الجامعة العربية إلى الجهود المبذولة، لا بدّ من ترجيح كفّة هذا الخيار.
بل لا بدّ من احتضان الجامعة له والتوصل إلى تسوية تحت خيمتها. البديل لا يكون سوى المزيد من ضمور دورها، والمزيد من الخسائر للبلدين .