حينما يعلن السيد سلام فياض قائلا «آن الأوان لنا كشعب واقع تحت الاحتلال أن نحصل على حريتنا وحقوقنا الوطنية التي يكفلها القانون الدولي بحدود العام 2011 »، مضيفا: ان إقامة الدولة الفلسطينية خلال فترة العامين القادمين أمر واجب وممكن»، مؤكدا «ان السلطة الفلسطينية قد تختصر مفاوضات السلام وتعلن قيام دولة امر واقع فلسطينية قبل عامين»، فلا نعتقد ان فلسطينيا يمكنه ان يعترض على مثل هذا الشعار.
فالإجماع الوطني الفلسطيني هو بالتأكيد حول إقامة مثل هذه الدولة، وهذا الإجماع قائم عمليا منذ زمن ولكنه إجماع على حتمية تحدي الاحتلال والمفاوضات العقيمة بالإعلان عن » دولة الأمر الواقع ـ دي فاكتو ـ الفلسطينية»، لان المعطيات الاستيطانية القائمة الراهنة والمتراكمة على الأرض المقدسية وفي أنحاء الضفة الغربية تنبئ باستحالة إقامة الدولة الفلسطينية في هذه الجيوب والمعازل والبانتستونات الفلسطينية المحاصرة بالمستعمرات والمستعمرين والجدران والحواجز ومعسكرات جيش الاحتلال المترامية في أنحاء الضفة، وفضلا عن انها تبعث على التشاؤم الكبير، فانها تسقط كل المراهنات والآمال الوهمية المعلقة على ان تأتينا الدولة عبر المفاوضات...!.
أطلق الكاتب الفلسطيني المعروف حسن البطل في الأيام الفلسطينية على خطة فياض«خطة التمكين لإقامة الدولة»، موضحا:«هناك سياق بين سياسة الأمر الواقع الاستيطانية اليهودية لإلغاء «حل الدولتين» أو «قولبة» إسرائيلية لدولة فلسطين، وسياسة الأمر الواقع التنموية الحكومية الفلسطينية للتمكين للدولة». فالي أي حد ستمكن هذه الخطة حقا الفلسطينيين من إقامة الدولة على كامل أراضي المشروع الوطني الفلسطيني المرحلي...؟!.
علما بأن السيد فياض كان قد أعلن منذ أسابيع قليلة فقط عن استعداده لاستيعاب المستعمرين اليهود في اطار الدولة الفلسطينية...! فأي دولة إذن هذه التي ستستوعب مثل هؤلاء المستعمرين الغزاة...؟!.
وأي دولة أمر واقع هذه التي ستقام في ظل خطة إسرائيلية تتكرس يوما عن يوم كما كشفت مصادر أميركية، تهدف إلى إقامة كتلة استيطانية تبدأ من القدس وتمتد حتى الأغوار على الحدود الأردنية، ما يعني شطر الضفة إلى كيانين، ومن ثم خوض عملية تسوية تحيل الضفة إلى حكم ذاتي على السكان، وتترك غزة لتؤول إلى الإدارة المصرية.
في النصف الثاني من التسعينيات كان القادة الفلسطينيون أعلنوا مرارا وتكرارا عن اعتزامهم إعلان «دولة الأمر الواقع الفلسطينية» اذا لم توافق «إسرائيل» عليها عبر المفاوضات، غير ان التهديدات الإسرائيلية والأميركية والنصائح الأوروبية والعربية أجبرت الفلسطينيين على التراجع.. فهل يعتزم رئيس الحكومة الفلسطينية تحدي الاحتلال حقا والعمل على بناء المقومات وحقائق الأمر الواقع على الأرض...؟.
لا شك أن هذا السيناريو المتعلق بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة هو أهم وأخطر السيناريوهات الماثلة بقوة في المشهد الفلسطيني ـ الإسرائيلي، والواضح أن سؤال الدولة الفلسطينية هو السؤال الأكثر تفجراً في العلاقة الفلسطينية ـ الإسرائيلية، والجدل بين الجانبين حوله هو جدل تاريخي وسياسي استراتيجي تحول في السنوات الأخيرة إلى جدل حربي ملغم بالتهديدات الإبادية في ظل حرب إعلامية/ نفسية/ معنوية/ تحريضية متفاقمة ساهمت إلى حد كبير في تكريس تلك الخلفيات التاريخية للصراع.
فإن كان الهدف الفلسطيني الكبير والعريض من وراء قصة «عملية المفاوضات والسلام» منذ بداياتها هو في المحصلة تحقيق «حق تقرير المصير» و«إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة (وفق القرارات الدولية) على كامل مساحة الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية، فإن الهدف الإسرائيلي الكبير والعريض ومتعدد الغايات والأبعاد من وراء كل قصة «عملية المفاوضات والسلام» هو كسب الوقت وتكريس الاستعمار الاستيطاني و«دولة إسرائيل ـ دولة يهودية» كحقيقة قائمة أولاً، «والحصول على الشرعية الفلسطينية والعربية والدولية» لهذه الدولة ثانياً، ثم ضم نسبة كبيرة تتراوح حسب المشاريع السياسية الإسرائيلية ما بين 40-60% من مساحة الأراضي المحتلة إلى السيادة الإسرائيلية ثالثاً، ثم «تخليد القدس الموحدة عاصمة إسرائيل إلى الأبد» رابعاً، ثم «تدمير مقومات الاستقلال الفلسطيني الحقيقي وبناء الدولة المستقلة» خامساً، و«ضمان التفوق والهيمنة الاستراتيجية الإسرائيلية على المنطقة كلها» سادساً. لذلك نستحضر في هذا الصدد جملة من الأسئلة العاجلة (كنا طرحناها مرارا) على الأجندات السياسية المعنية:
ـ هل نضجت الظروف المحلية والإقليمية والدولية يا ترى لإقامة دولة «دي فاكتو» الفلسطينية على الأرض...؟! ـ هل نضجت الظروف الإسرائيلية على نحو خاص الرسمية والشعبية على حد سواء للقبول بمثل هذه الدولة على كامل مساحة الضفة العربية وقطاع غزة...؟.
ـ حدد السيد فياض سقفا زمنيا لإقامة الدولة حتى نهاية العام/2011، فهل ستقف إسرائيل متفرجة يا ترى، وما البدائل والأوراق الفلسطينية لمواجهة آلة الاحتلال التي تقلب كل حجر وكل متر على ارض الضفة.. ثم أين بالضبط ستقام الدولة.. وما مساحتها وحدودها ومضامينها...؟!. ـ وهل سيكون هناك أية علاقة ما بين الضفة وغزة في اطار دولة الأمر الواقع، خاصة وان الانشطار الجيوسياسي الفلسطيني ما بين الضفة وغزة يتعمق من يوم ليوم...؟.
ـ وماذا سيحل بالقضايا الجوهرية المعلقة مثل «حق العودة للاجئين» و«القدس والمقدسات» و«المستعمرات اليهودية» و«الحدود» و«المياه» وغيرها...؟! ـ ثم والأهم من كل ذلك كيف ستكون المضامين السيادية للدولة الفلسطينية العتيدة في ظل السيطرة الاستراتيجية الإسرائيلية ليس فقط على بواباتها البرية والبحرية والجوية، وإنما أيضاً على معظم أراضيها ما يعني انعدام الوحدة الجيوديمرغرافية لهذه الدولة..؟!.
نعتقد ان إقامة دولة الأمر الواقع الفلسطينية تحتاج إلى مقومات حقيقية تشتمل من ضمن ما تشتمل عليه استعدادا فلسطينيا حقيقيا على مستوى كل الفصائل والقوى والجماهير الفلسطينية لخوض غمار مواجهة كبيرة مع دولة الاحتلال التي تجمع خريطتها السياسية على تأبيد الاحتلال والاستعمار الاستيطاني وتدمير مقومات الدولة الفلسطينية، ناهيكم عن الغطاء والدعم العربي الحقيقي والاعتراف الدولي بدولة الـ «دي فاكتو» الفلسطينية...!.
فأين فلسطين اليوم من كل ذلك...؟!.
كاتب فلسطيني
