رغم التحول الحاد الذي شهده عالم الأعمال خلال العامين الماضيين، إلا أن معظم الشركات التي تأسست قبل نحو خمسين عاماً حافظت على نجاحها المعهود بفضل إرثها العريق الذي ساعد في توفير أجواء من الثقة والمصداقية التي تطمح كافة الشركات الجديدة إلى التحلي بها.

ففي تلك الأيام، كانت المصافحة وحدها كفيلة بتأسيس شراكة قادرة على الاستمرار حتى يومنا هذا. وباتت هذه الشركات، التي شكلت آنذاك عصب الاقتصاد الفتي لإمارة دبي، تمتلك اليوم العديد من التكتلات التجارية والمشاريع الكبرى في المدينة.

في عام 1943، بادر جدي والد أمي إلى تأسيس شركته الخاصة للاستيراد والتصدير في منطقة الرأس في ديرة، والتي شكلت آنذاك المركز التجاري لمدينة دبي. وكانت شركته تلك بمثابة نوع من ريادة الأعمال، باعتبارها لم تكن معروفة تماماً، كما أنها جازفت بنشاطها التجاري عبر أوروبا. وفي الحقيقة، لا يزال مكتب جدي في المنطقة ذاتها حتى يومنا هذا، على الرغم من استمرار شركته في الازدهار من بعده.

من المؤكد أن تأسيس شركة من هذا القبيل لن يكون مشروعاً رائداً على الإطلاق في يومنا الحاضر، كون هذه الشركة لا تطرق قطاعاً جديداً في السوق. ولكن الأمر كان مختلفاً بالنسبة لأشخاص مثل جدي، وحسن بن الشيخ، وعبدالغفار حسين، وسيف الغرير، وجمعة الماجد وغيرهم من الشخصيات الوطنية الذين جاءت مشاريعهم بدافع من الحاجة الماسة لتطوير الإمارة في قطاعات التجزئة، والنقل البحري، والصناعات الخفيفة، والخدمات الماليّة، والصناعات الغذائيّة.

ولا أزال أذكر تلك الرحلة الميدانية إلى منشأة حسن بن الشيخ للصناعات الغذائيّة في دبي عام 1992. بالنسبة لفتاة في التاسعة من عمرها، بدت لي تلك التجربة أشبه برحلة إلى مصنع الشوكولاته في فيلم «ويلي ونكا»، فقد كان المكان مكتظاً بآلات ضخمة تنتج العديد من أصناف المنتجات الطريفة، مثل «بابي سناك» و«تشيب ستيكس»، التي تتهادى فوق خط الإنتاج. لقد كانت معدتي في واقع الأمر هي ما يحرك تفكيري آنذاك؛ أما اليوم.

فأرى أن ذلك المشروع كان ابتكاراً جديراً بكل تقدير. وينطبق الأمر ذاته على رحلتي الأولى إلى مركز الغرير، الذي بات يعرف اليوم بمدينة الغرير، فقد كان مقراً لأول فروع مطاعم ماكدونالدز للوجبات السريعة ومركز سندباد الترفيهي، كما كانت معه الانطلاقة الأولى لشغف التسوق في مدينة دبي.

وفيما ترعرعت مع أطفال أولئك الرجال، كانت شركاتهم القابضة هي الأخرى تتطور وتتوسع وتتنوع عبر عمليات استحواذ أو مشاريع مشتركة، لتلبي متطلبات السوق وتتيح مزيداً من الفرص الصناعية والوظيفية، وتواصل نموها لتشمل قطاع الخدمات الثانوية والداعمة. لقد ساد في ذلك الوقت مناخ صحي من المنافسة الشريفة والتعاون بين هذه الشركات كان عنوانه الأبرز الاحترام العميق بين مؤسسيها، مما فتح الباب واسعاً للكثير من النقاشات البناءة في المجالس.

واستمر ذلك النهج لاحقاً مع الأبناء الذين انضم بعضهم إلى شركات آبائهم، بينما عكف بعضهم الآخر على تأسيس شركاتهم الخاصة التي أفسحت المجال لمزيد من الفرص الجديدة، محافظين على ذات المنظومة من القيم ومبادئ العمل التي انتهجها آباؤهم سابقاً.

أما اليوم، فقد ضلت روح الريادة والإبداع طريقها في متاهات مجالس إدارة الشركات، وتم اختزالها لتقتصر على المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تشجعنا على الانسياق وراء نهج تجاري واحد، بدلاً من تكريس أسلوبنا الخاص.

ويبدو أن كل ما بذله الرعيل الأول من وقت وجهد وتفان في شركاتهم بات الآن شيئاً من الماضي في غمرة اندفاعنا وراء تحقيق مكاسب آنية على حساب تأسيس استثمارات طويلة الأمد.

من جهة أخرى، بقيت منتجاتنا المحلية دون المستوى الذي تستحق من تشجيع وانتشار، الأمر الذي يعود بالدرجة الأولى إلى تقليدنا الدائم للتوجهات الأجنبية السائدة بدلاً من ابتكار علاماتنا التجارية ومنتجاتنا الخاصة التي تلبي متطلباتنا وتلائم قيمنا وأساليب حياتنا.

وهنا يبرز سؤال شديد الإلحاح: لماذا نعجز عن تطوير صناعة محليّة وابتكار مشاريع إنتاجية جديدة قادرة على دعم شركاتنا المحلية ومبادرات التوظيف لدينا؟ ففي المحصلة، ليس بالضرورة أن يكون المنتج الأجنبي هو الأفضل، وهذا يستوجب من مواطنينا تقديم المزيد من الدعم لصناعاتنا المحليّة.

يجب أن يكف مجتمعنا عن الانجرار الأعمى وراء التيارات السائدة، فلماذا نتهافت على الامتيازات التجارية الأجنبية إذا كنا قادرين على تطوير مفاهيم تلبي متطلباتنا الخاصة؟ ورغم صعوبة إيجاد فرص استثمارية جديدة، إلا أن ذلك يتطلب دعماً أفضل من قبل الجهات الرسميّة. وقد يستلزم ذلك تشجيع دائرة التنمية الاقتصادية أو غرفة التجارة على توظيف فريق من الخبراء المختصين بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة لتقديم التوجيه والدعم اللازمين، بما يساعد في تطوير مستوى جديد من ريادة الأعمال.

لقد آن الأوان لأن يوظف الجيل الأول خبرته وحكمته كمرجعية يهتدي بها رواد الأعمال الجدد، وتزودهم بالدعم ومنظومة القيم اللازمة لبناء اقتصاد مستدام يعتمد على الإنتاج المحلي. وثمة فرصة سانحة الآن يتوجب علينا، نحن الإماراتيون، انتهازها للتكاتف معاً والعمل على بناء مستقبل متوازن يشرف فيه الجيل الخبير على رعاية الإبداع والنجاح، ومكافأة المبدعين على مساهمتهم الحيوية في بناء هذا المستقبل.

ولعل أبرز ما يمكننا تعلمه من رواد الأعمال الأوائل هو أن الاستثمار الناجح يستند إلى قيم سليمة تتطلب العمل الدؤوب، والشغف والتفاني، والجرأة في مواجهة التحديات والمخاطر، والقدرة على التكيف مع ظروف السوق، والاعتماد على الموارد والخبرات للارتقاء بالعمل على نحو متوازن. ويعلمنا هؤلاء أهمية التبادل المعرفي ومناقشة كافة القضايا في المجالس كما اعتادوا، الأمر الذي يساعد في بناء الثقة بين الشركاء والمتنافسين على حد سواء. ويسعدني حقاً أن أتعلم من رجال استطاعت شركاتهم الصمود والازدهار في أصعب فترات النمو التي شهدتها الإمارة.

كاتبة إماراتية

amina@ZABEELINVESTMENTS.COM