بينما ينام العرب هانئين قانعين آمنين في ظل الأمن الأميركي، يتحول المحيط الهندي ومنطقة وسط آسيا إلى بؤرة للتنافس الدولي، وربما إلى مركز للصراع العالمي (العولمي) القادم لتأمين المواقع الإستراتيجية فيهما. بينما لا ينفك المسؤولون الخليجيون وغيرهم من العرب الترديد والتأكيد على التزام الولايات المتحدة بأمن المنطقة، يجر هذا الالتزام الأميركي العرب تدريجيا نحو بؤرة التنافس الدولي، وربما إلى مسرح العمليات العسكرية التي قد تندلع في أي وقت قريب.

هذا الموقف الإستراتيجي هو في غاية الوضوح لدى النخبة السياسية الغربية. بعد نهاية الحرب الباردة نهاية «سلمية»! طرح كل من تاتشر وريغان، السؤال نفسه الذي طرحه مؤخرا زغيبنيو برجنسكي: وماذا بعد؟ أي من هو العدو الجديد الذي يجب أن يبحث عنه الغرب (مجسدا بحلف الناتو).

خطة برجنسكي (في الهرالد تربيون، 2009820) تقوم على إدراك أن صحوة شعوب العالم المعاصرة، وتجنبا للفوضى التي يمكن أن تحدثها، على حلف الناتو وقد تواجد عسكريا خارج أوروبا، أن يوفر الآليات لتوفير الأمان على مستوى العالم ؟ تحت الهيمنة الغربية.

ولتحقيق هذا الغرض لابد لحلف الناتو من تحييد روسيا بإنشاء معاهدة للأمن الجماعي مع روسيا، وإدخال دول وسط آسيا (دول القلب) في هذه المعاهدة، أو ترك الخيار لهم للانضمام إلى حلف الناتو. وثانيا: لابد من مواجهة الحضور الإستراتيجي المتنامي لكل من الصين والهند في المحيط الهندي.

وقد سبق للولايات المتحدة أن قررت ضرورة تواجد البحرية الأميركية على «حضور متقدم لها في المحيط الهندي»، انطلاقا من قاعدة ديبغو غارسيا، والتي هجرت سكانها بالكامل بشكل همجي (جونثان فريدلاند في خعز في 28/5/2009). بتواطؤ مع بريطانيا. وقد لعبت هذه القاعدة دورا استثنائيا في غزو العراق واحتلال أفغانستان.

وقد بدأ التواجد الإستراتيجي الصيني والهندي في المحيط الهندي بالتنامي في الآونة الأخيرة. يذكر فريدمان أن الصين قد أقامت مراكز مراقبة في الجزر الواقعة في خليج البنغال. وهي تخطط لبناء قنال مشابه لقنال باناما يربط المحيط الهندي بالمحيط الباسيفيكي.

وفي الوقت نفسه تقوم الهند بإقامة محطات بحرية للتنصت في جزر مدغشقر، وموريشيوس والسيشل. ويجب أن لا ننسى أن التواجد الغربي (الولايات المتحدة، بريطانيا وفرنسا) في المحيط الهندي والخليج والبحر الأحمر هو الأقدم والأعرق في المنطقة. علما بأن سيطرة دول الخليج على مضيقي هرمز وباب المندب هي مجرد سيطرة جغرافية فقط.

إلى أين يقود كل هذا؟ ستكون المواجهة القادمة مع إيران في حالة عدم التوصل إلى اتفاق مع الغرب حول برنامجها النووي. هناك احتمال كبير في عدم قدرة الغرب على إقناع إيران بالتخلي عن هذا البرنامج. في هذه الحالة فإن الغرب يتجه بقوة نحو تشديد العقوبات على إيران بموافقة مجلس الأمن أو بدون موافقته.

وأقوى سلاح لدى الغرب لتحقيق هذا الهدف هو منع البنزين والمشتقات النفطية من الوصول إلى إيران، علما بأن إيران تحتاج إلى البنزين المستورد لسد 40 من حاجتها للاستهلاك المحلي.

والطريقة الوحيدة الفعالة لمنع هذه السلعة من الوصول إلى إيران (كما يذكر حسين عسكري وتريتا باري في (ةبش 51-61/9002) ـ هو إقامة حصار بحري حول شواطئ إيران. إذ لن يكون الحصار فعالا عن طريق معاقبة الموردين فقط. ولكن إيران أعلنت مرارا أنها ستعتبر عملا من هذا النوع بأنه عملا من أعمال الحرب، وبأنها سترد عليه عسكريا وبالوسائل المتاحة لها.

وإذا أقدمت دول حلف الناتو على هذه المغامرة العسكرية فإنها ستقوي موقف المحافظين في إيران، وهو عكس هدفها المعلن. كما أنها ستدخل منطقة الخليج، وربما منطقة غرب آسيا بأكملها في أتون الاضطرابات الطائفية، وربما الحرب الذي ستكون إسرائيل طرفا فيها.

إذا تحقق هذا السيناريو، ونأمل ألا يتحقق، فإن محور مصر ـ السعودية ـ الأردن سيكون الشريك المحتمل، وربما الشريك المحرض على هذه الحرب. وهكذا فإن الأمن الأميركي، والتزام الولايات المتحدة بأمن العالم العربي، هو في الحقيقة المبطنة تهديد لأمن العالم العربي، وتمهيد لاستنزاف ثرواته المالية. وقد يصل الأمر إلى تهجير سكانه من بلدانهم التي ستكون مسرح لعمليات حروب القرن الواحد والعشرين.

كاتب كويتي

knaqeeb@hotmail.com