في غزو الكويت، وسقوط صواريخ صدام على المملكة شهدنا ترابطاً وطنياً شمل كل الألوان والأقاليم، الحضر والبدو، لأن الوطن صار في المعركة، وهو اختبار جديد لعمق الوطنية، وفي حالة الاعتداء على سمو الأمير محمد بن نايف من قبل أحد الإرهابيين، كان هناك استفتاء وطني تزاوجت فيه حالة الاستنكار مع التأكيد علىأن الإرهاب هو إفلاس ديني ووطني، وأن حالات الانحسار لهذه الفئات أخذت تتجه إلى قراءة جديدة، في محاولة تعميق الفرقة بين الأسرة الواحدة، واستهداف المنجز الوطني ورموزه وقادته، وهو ما يجب أن لا يعبر لبنيتنا الأسرية والوطنية..

المعركة طويلة، ومعها بدأت تتبدل التكتيكات والوسائل مما جعلنا نحتاج إلى فكر مضاد ليس فقط معالجة من هم بحوزة الدولة، وإنما بوضع أسس للتوعية العامة في الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد، لأن ظاهرة الاعتداء بأسلوب هذا الانتحاري، وتجنيد مؤهلين بمستويات عليا من الاختصاص، وكشف ممولين جدد، تؤكد أن الحرب قائمة، ولعل أهم من تقع عليهم المسؤولية الأولى هم علماؤنا الأفاضل، فالآباء والمدرسون وأجهزة الإعلام بما في ذلك من هي خارج السيطرة مثل المواقع، والصحف الإلكترونية، لأن المؤثرات الحديثة، سواء من الطرف المتطرف ، أو المعتدل تتجه لكسب الإنسان المحايد والذي يعد الخامة التي يمكن تشكيلها بالاتجاه السلبي أو الإيجابي ، أو الخروج من شرنقة الإرهاب إلى الوعي بالمصلحة الذاتية والوطنية..

لقد استطاعت أمريكا، بما سمته ب "القوة الناعمة" أن تغزو بوسائلها الثقافية والإعلامية وحياتها العامة شعوب الاتحاد السوفياتي، والصين، وكوبا، ثم أخيراً كوريا الشمالية وإيران، بمعنى أن سلطة الإعلام، والانفتاح على الثقافات وإعطاء الفرص للمؤهلين، وقادة المجتمع لأنْ يشكل كل إنسان خط دفاعه وطرق إقناعه للآخر سواء كان ابناً أو صديقاً متشدداً أو منفتحاً تفضي إلى الهدف وهو حصانة الوطن من المؤثرات التي تنزع عنه صفة الأمن وتهدد وجوده..

مجتمعنا لم يكن يعرف في ظل ظروف فقره وأميّته، التعصب والتطرف بأشكالهما المختلفة، ومؤلم أن تتسع الفجوة وتصبح هذه الأفكار مكرّسة في حالات تطور الوعي العام عندما سيِّس الدين، ووضعت الفوارق بين المجتمع الواحد، بينما الأساس في التعليم والثقافة والاحتكاك بالحضارات الأخرى، والمنجزات العلمية أن توسَّع دائرة الوعي وتعطي دلالاتها بالتفريق بين ما هو مدمر ، وبانٍ، لأن سيكولوجية التطرف والعنف.

والاحتكام إلى الانتحار البطيء بتشرب الأفكار المتطرفة بدون تدقيق بنشأتها وأهدافها، وما تؤدي إليه، يؤكد أن الضعف بتأسيس وعي عام تشترك فيه كل أطياف المجتمع ويقدم نقداً ذاتياً بعقلية تحليلية لا تصادمية، واحترام الطرف الآخر حتى لو لم يتلاق مع أفكارك ومنطلقاتك، لنجعل الحوار أكثر قابلية لطرفي العلاقة، ونحن من خلال سلسلة الأحداث التي جرت على مساحتنا الوطنية.

أو تسربت من الخارج بأساليبها وأطرها وأشخاصها ندرك ضرورة أن تكون المواجهة على نفس التكافؤ، ونحن نملك الوسائل والتأهيل والقواعد التي ننطلق منها بإيجاد مجتمع أكثر وعياً ليس فقط لضروراته وإنما لأمنه الذاتي، وحصانته من الوقوع في فخ الإرهاب ومنظّريه..